لا يشكّ اثنان بأنّ التزام لبنان بسياسة النأي بالنفس عن الصراعات الخارجية أو تلك الدائرة في دول المنطقة والمجاورة له، لا سيما مع تدخّل «حزب الله» عسكرياً في بعض منها، هو أمر صعب جدّاً ويحتاج الى نقاش طويل ومقنع من قبل الحزب، إلاّ أنّ «التهدئة» ستكون عنوان جلسات مجلس الوزراء التي ستُعقد لهذه الغاية تباعاً. فالجميع سيكون منفتحاً وإيجابياً لتقبّل كلّ ما سيجري عرضه خصوصاً وأنّ مناقشة مسألة سلاح الحزب لن تحصل في مجلس الوزراء إنّما على طاولة الحوار.
فالوحدة الوطنية خط أحمر، وقد أثبتت أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، على ما أكّدت أوساط سياسية مواكبة، أنّها صلبة ومتينة ويستحيل زعزعتها، وهذا ما يُطمئن الجميع اليوم. أمّا محاولة خلق فتنة سنيّة- شيعية في لبنان فخُنقت في مهدها، على عكس ما كانت تأمل السعودية، ولهذا فإنّ الحكومة بكامل أعضائها قد قرّرت المضي قُدماً في عقد جلساتها للتعويض عن فترة الشهر التي أهدرتها منذ إعلان الحريري عن استقالته في 4 تشرين الثاني المنصرم.
وصحيح بأنّ الأزمة لا تُحلّ من خلال الإنتخابات النيابية المبكرة، على ما قيل، غير أنّ العمل سيتواصل مجدّداً، على ما لفتت الاوساط، لإجراء الإنتخابات في موعدها أي في 18 أيار من العام المقبل، خصوصاً وأنّ تقديم موعدها سيُحتّم إجراءها في آذار وليس قبل ذلك لأنّ وزارة الداخلية والبلديات تحتاج الى الأشهر المتبقية لتُصبح جاهزة. ولأنّ مدّة الشهرين لن تُقدّم أو تؤخّر فمن المحبذ أن تجري في الربيع وليس في فصل الشتاء، ما يفسح في المجال أمام الناخبين للإقبال بسهولة على صناديق الإقتراع من دون أي عوائق مناخية. ويعوّل كثيراً على الإنتخابات في تحديد الأحجام السياسية لا سيما بعد الخضّة التي شهدتها البلاد منذ نحو شهر، وأدّت الى شلّ الحركة السياسية الفعلية فيها.
أمّا معالجة أسباب الإستقالة فستتمّ من خلال وضع صيغة مقبولة من قبل الجميع جرى وضعها نتيجة المشاورات التي شهدها قصر بعبدا قبل الزيارة التي قام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى روما. ولن يتمّ تحديد موعد الجلسة الأولى لمجلس الوزراء، على ما كشفت الأوساط نفسها، قبل توافق كلّ المكوّنات السياسية على البيان الذي سيصدر عنها حول العناوين الثلاثة: النأي بالنفس، اتفاق الطائف، وعلاقة لبنان مع الدول العربية. وعلى أساسه سوف يتمّ تكثيف جلسات مجلس الوزراء للتعويض عمّا فات ولاستكمال البحث في المشاريع التي تهمّ المواطنين.
فأزمة استقالة الحريري، أصبحت وراءنا، على ما ذكرت الاوساط والإنطلاق مجدّداً من حيث وصلت اليه الأوضاع في لبنان قبل الإستقالة أفضل بكثير من الشرذمة والفراغ والدخول في صراعات داخلية مجدّداً لن توصل الى أي نتيجة إيجابية. لهذا فإنّه لن يكون المطلوب اليوم من أي طرف أن يقوم بالمعجزات، بل أن يبدي الجميع رغبته في تقديم بعض التنازلات من أجل مصلحة لبنان العليا أولاً، بهدف تلاقي الجهود واستكمال مسيرة النهوض بالبلد.
ففيما يتعلّق بمسألة «النأي بالنفس» سيتفق الوزراء، بحسب المعلومات، على ضرورة تحييد لبنان عن كلّ الصراعات الدائرة في المنطقة والتي لا تعنيه، لا سيما بعد أن توقّفت  معظم المعارك في سوريا وتقدّم الحلّ السياسي للأزمة فيها على ما عداه، ومع ما يُحكى عنه من تدخّلات الدول الكبرى في اليمن لوضع حدّ للحصار المفروض عليها وبدء حلحلة الوضع، فضلاً عن عدم الحاجة لأي تدخّل في العراق الذي بدأ يلملم نفسه... والأهمّ أن لا تجعل الدول المتناحرة لبنان «ساحة لتصفية حساباتها»، وألاّ تأتي التسويات المنتظرة فيما بينها على حسابه بل لصالحه.
والجميع يعلم بأنّ الخطر الإسرائيلي الذي يتهدّد لبنان منذ حرب تموز 2006، لا يزال قائماً من خلال التهديدات الإسرائيلية المستمرّة وخرق إسرائيل للقرار 1701 آلاف المرّات، ولهذا لا يُمكن التخلّي اليوم  عن الدور المقاوم لـ «حزب الله» والذي يقف الى جانب الجيش اللبناني لدرء المخاطر الخارجية المحدقة به، إن من قبل التنظيمات الإرهابية أو من قبل الجانب الإسرائيلي. ولهذا شدّدت الاوساط، على أنّه سيتمّ تخصيص فقرة في البيان عن هذا الأمر، للتمييز بين نأي لبنان بنفسه عن صراعات دول المنطقة التي لا شأن له بها، وعن الصراع مع إسرائيل الذي هو طرف فيه.
ويأتي التأكيد مجدّداً على «اتفاق الطائف» الذي نصّ على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة أي الجيش الشرعي ليس لنزع سلاح الحزب في هذه المرحلة، إنّما للقول بأنّ «اتفاق الدوحة» لم يعد له أي مفعول، ولا بدّ من التمسّك بوثيقة الوفاق الوطني للمحافظة على السيادة والإستقلال والوحدة الوطنية. فضلاً عن تجديد التوافق على أنّ الاستراتيجية الدفاعية للبنان سيتمّ بحثها لاحقاً وعلى طاولة الحوار.
أمّا لبنان الذي يودّ الحفاظ على أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة والصديقة، فسيقوم بطمأنتها الى حسن سير هذه العلاقات، مع تشديده على رفض تدخّلها في شؤونه الداخلية (على ما جرى أخيراً في تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عندما ربط بين أعمال «حزب الله» والمصارف اللبنانية) لما قد ينجم عن ذلك من مشاكل داخلية هو بغنى عنها، والتزامه بعد التدخّل في شؤون أي بلد عربي، التزاماً منه بالمادة 8 من ميثاق جامعة الدول العربية وكلّ المواثيق والإتفاقات الدولية ذات الصلة.