عندما تلا رئيس الحكومة سعد الحريري بيان الإستقالة من الرياض في 4 تشرين الثاني الماضي، قيل الكثير عن ضُغوط وعن تهديدات وعن بيان جاهز للقراءة، إلخ. وبغض النظر عن كل الظروف التي أحاطت بهذه الإستقالة «الإعلاميّة» من الخارج، فإنّ تصاريح رئيس الحكومة في الأيّام القليلة الماضية لم تكن على نفس المَوجة ـ إذا جاز التعبير، حيث كان يرفع سقف مُواجهته مع «حزب الله» حيناً ويُخفّضها إلى أدنى مُستوى حيناً آخر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مواقف وتصاريح مجموعة من قيادات «المُستقبل» ومسؤوليه. فما هي إنعكاسات هذا الأمر، وهل سيتمكّن رئيس «تيّار المُستقبل» سعد الحريري من إعادة ضبط الأمور داخل «تياره» في ظلّ ما يُحكى عن إعادة تقييم وهيكلة وحتى عن إستغناء مُحتمل لبعض المسؤولين وعن إستبدال لمسؤولين آخرين؟
أوساط قريبة من رئيس «تيّار المُستقبل» نفت ما يُقال عن خطابين للحريري أو عن ضياع في الرؤية الإستراتيجيّة، ورأت أنه يسير برويّة في حقل من الألغام، للحفاظ على إستقرار لبنان من النواحي الأمنية والسياسيّة والإقتصادية والمالية كافة، وهو ثابت على المواقف التي لطالما أعلن عنها، لجهة التمسّك بحياد لبنان عن الصراعات الخارجية والتمسّك بعلاقات لبنان العربيّة والدوليّة كافة، والحفاظ في الوقت عينه على «ربط النزاع» مع «حزب الله» ومُعالجة القضايا الخلافية بين اللبنانيّين على المُستوى الداخلي حصراً. وأضافت هذه الأوساط أنّ رئيس «المُستقبل» حريص على إستمرار تعميم الجوّ الإيجابي الذي كان ساد في لبنان منذ قرابة العام، عندما بدأ تنفيذ بنود التسوية الرئاسيّة، وأنّه سيعمل حالياً على تأمين الدفع المطلوب للحفاظ على ما تحقّق من إستقرار ومن إنجازات، وللعمل على تحقيق المزيد من الإيجابيّات، لكن ضُمن المبادئ العريضة التي لطالما تمسّك بها وشدّد عليها.
في المُقابل، رأت أوساط قريبة من المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي أنّ رئيس الحُكومة فوّت فرصة لا تتكرّر للإستفادة من الخضّة السياسيّة التي حصلت بعد إعلانه الإستقالة في الرابع من تشرين الثاني، لجهة ضياع فرصة توجيه التدخلات الإقليمية والدَوليّة للدفع نحو تعزيز نُفوذ وهيبة الدولة اللبنانيّة والمُؤسّسات الرسميّة التابعة لها أكثر فأكثر، وضبط إنفلاش «حزب الله» داخلياً وإقليمياً، ومنعه من تنفيذ أجندة إيرانيّة على حساب علاقات لبنان العربيّة والخليجيّة. واتهمت هذه الأوساط الحريري بالذهاب نحو تسويات لفظيّة وكلاميّة لا تُقدّم ولا تؤخّر، ويُمكن التنصّل منها بسُهولة كما حصل في السابق في أكثر من محطة، من حرب تموز 2006 مُروراً بمعارك أيّار 2008  وُصولاً إلى التنكّر لإعلان بعبدا. وتابعت هذه الأوساط أنّ تقديم المصالح الشخصيّة والمصالح الإنتخابيّة الضيّقة على مصلحة لبنان العليا والبعيدة المدى، يدلّ على أنانيّة مُفرطة وعلى سياسة قصيرة النظر سُرعان ما ستصطدم بوقائع مُؤلمة، ما سيُعرّض مصالح اللبنانيّين لخضّات كبيرة هم في غنى عنها.
مصادر سياسيّة مُستقلّة إعتبرت بدورها أنّ رئيس الحُكومة في وضع لا يُحسد عليه، لأنّه حائر بين الحفاظ على علاقاته مع المملكة العربيّة السعودية، بكل إمتداداتها التاريخيّة والطائفيّة والمالية وحتى الشخصيّة، وفي الوقت عينه يرغب بالإحتفاظ بموقعه السياسي الأساسي ضُمن التركيبة اللبنانيّة الداخليّة، علمًا أنّ الجمع بين الأمرين في ظلّ تنامي الصراع الإقليمي بين إيران والسعوديّة، وفي ظلّ تسارع الأحداث وتبدّلها في المنطقة ككل، ليس بالأمر السهل على الإطلاق. وأضافت أنّ بإمكان الحريري الإستغناء عن مُعارضيه داخل «تيّار المُستقبل» لإعادة تثبيت قبضته على القرار في «التيّار»، لكنّ هذا الأمر سيخدم مُعارضيه الذين لا ينتمون إلى قوى «8 آذار»، وفي مقدّمهم اللواء أشرف ريفي، لأنّهم ينتظرونه على الكوع ـ كما يُقال باللغة العاميّة، لتعزيز تمدّدهم السياسي والشعبي ضُمن البيئة الحاضنة الواسعة التي كان قد أوجدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولفتت المصادر نفسها إلى أنّ رئيس الحكومة يستطيع أيضًا تعزيز علاقاته السياسية وحتى الإنتخابية مع «التيار الوطني الحُرّ» ومع قوى من «8 آذار» الأمر الذي سيؤمّن له دفعاً مُهمّاً، لكنّه سيخسر في المُقابل جزءًا مُهمًّا من الدعم الشعبي الذي كان يتأمّن له في السابق بناء على نهج سياسي واضح ومُحدّد، خاصة وأنّ السياسة الرماديّة والتناقض في الخطابات والتصاريح، إنعكس إرباكاً واسعاً في صُفوف أنصار «تيّار المُستقبل»، الأمر الذي يُمكن تلمّسه بسُهولة على مواقع التواصل الإجتماعي من خلال تعليقات هؤلاء الأنصار والمُؤيّدين.
وختمت المصادر نفسها كلامها بالقول إنّه إذا كان الحريري يعتبر أنّه يجب التخلّص مِمّن غدروا به، فعليه أن يتذكّر أنّ الكثير من المُحازبين ضُمن «تيّار المُستقبل» وضمن البيئة الحاضنة له سنياً، وتلك الداعمة له وطنياً، لا علاقة لهم بكل ما حصل من مُحاولات لإستبدال قيادته، لكنّهم لا يُؤيّدونه ويدعمونه سوى على خطّه السياسي، وبالتالي في حال خروجه عن هذا الخط سيذهبون إلى أوّل شخصيّة قياديّة قادرة على إحتضانهم وتُعبّر عن تطلّعاتهم.