ينصرف رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الى مراجعة حساباته بعد النكسة التي تعرض لها في الازمة الاخيرة.
واذا كان مطمئنا الى بيته الداخلي القابض عليه بقوة واقتدار فإنه سيسعى في المرحلة المقبلة الى تنظيم علاقاته مع سائر الاطراف السياسية الاساسية التي تخربطت علاقاته معها الى حدّ بعيد.
وبينما تؤكد اوساط «القوات» انها لا تشعر بأي ضيق او خيبة جراء ما حصل مؤخرا، يرى  بعض الخصوم ان عليها ان تبذل جهدا اضافيا لتجاوز «دعستها الناقصة» ورهانها الخاطئ على التطورات الاخيرة.
ومما لا شك فيه ان جعجع يركز بالدرجة الاولى على إعادة تنظيم العلاقة مع الرئيس الحريري وتيار المستقبل، معتمدا على عناصر عديدة يمكن ان تساهم في تحقيق هذا الهدف بأقل الخسائر الممكنة.
وتقول المعلومات ان رئىس «القوات» حريص في هذا المجال على عدم المبادرة من جهة واحدة، لذلك اعتمد في البداية على افساح المجال امام خلق مساحة لتهدئة النفوس مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بكثير من الاعتداد بالنفس من خلال التأكيد على انه ليس هو الجاني بل المجني عليه.
وحسب مصادر مطلعة فإن الجرح الذي اصاب الحريري من مواقف جعجع كان اكبر من «بلع» هذا الاسلوب الامر الذي ادى الى فشل تحقيق سرعة تواصل بين الرجلين. عندها ترك جعجع او شجع بعض الاصدقاء او الوسطاء حتى من داخل المستقبل على التحرّك لوصل ما انقطع بين معراب وبيت الوسط.
وتحيط هذه التحركات والمحاولات اجواء ضبابية، لكن المصادر تفيد بأن الاتصالات التي بدأت مستمرة سعيا الى تتويجها باللقاء المتوقع بين الجانبين.
ووفقا للمعلومات فإن عدم استعجال اللقاء يعود لأسباب عديدة ابرزها:
- حجم وعمق الصدمة التي اصيب بها الحريري من حليفه السابق، والاثار التي نتجت عن دور ومواقف جعجع قبل وخلال الازمة.
- عدم مبادرة رئىس «القوات» الى تصويب او تصحيح موقفه، مكتفيا في البداية بالسكوت او بإعلان المواقف العامة التي تقدم ولا تؤخر.
- فضل الحريري ترك هذا الموضوع الى ما بعد معالجة ازمة الاستقالة واجتماع مجلس الوزراء واستئناف عمل الحكومة.
- وضع رئىس الحكومة جدول اولويات له بعد عودته الى لبنان كان البند الاول له هو ترتيب بيته الداخلي.
وتقول المصادر ان جعجع شعر مؤخرا انه بحاجة الى تقديم او ارسال اشارات ايجابية لاحتواء الموقف، فأكد ان «القوات» لن تستقيل او تخرج من الحكومة ضاربا عصفورين بحجر واحد: الظهور بمظهر الحريص على استمرار وعدم اهتزاز الحكومة، والحفاظ على موقعه داخل المؤسسات لانه يدرك ان الابتعاد عنها غير مفيد او منتج.
ولم يكتف بذلك بل ادلى مؤخرا بتصريحه الذي دافع فيه عن المصارف والنظام المصرفي اللبناني مخطئا وزير الخارجية السعودي وما قاله بحق لبنان.
وفي اشارة ثالثة فضل جعجع اعتماد السياسة العقلانية بالتعاطي مع «المخرج» الذي نسجته القوى الاساسية السياسية لأزمة استقالة الحريري ولم يذهب الى حدود المعارضة «الابعد مدى».
ومما لا شك فيه ان ازمة العلاقة مع التيار الوطني الحر لا تقل شأنا عن الازمة مع المستقبل لا بل ان هذه الازمة بدأت قبل التطورات الاخيرة المتعلقة باستقالة الحريري.
ويبدو ان اعادة تحسين العلاقات بين الجانبين مسألة صعبة ومعقدة، الامر الذي جعل الوزير ملحم رياشي والنائب ابراهيم كنعان في استراحة قسرية حتى اشعار اخر، مع العلم ان الحسابات السابقة بين الطرفين كانت تشمل تحالفات انتخابية «بالمفرّق» في هذه الدائرة او تلك.
والسؤال المطروح لماذا انحاز جعجع الى هذا المنحى من التهدئة والليونة؟
اوساط القوات تؤكد ان مواقف رئيسها تنسجم مع الثوابت السياسية التي رسمتها منذ فترة طويلة، وانه لم يقدم اية تنازلات ولم يبدل في مواقفها المتعلقة بالازمة الكبرى.
وترى ان بعض الخصوم هم الذين سعوا ويسعون الى اخراج «القوات» من الحكومة بعد ان شعروا ولمسوا حجم فعاليتها داخل مجلس الوزراء وفي الوزارات التي توالاها القواتيون. اما بالنسبة للدفاع عن النظام المصرفي فهذا امر مفروغ منه لانه متعلق بمصلحة لبنان وبسلامة هذا النظام المشهود له على ارفع مستويات.
وفي المقابل ترى مصادر على خصومة من «القوات» ان الدكتور جعجع يدرك حجم الخطأ الذي وقع فيه، وهو يتصرف الان كمن كان في طائرة على علو عشرين الف قدم ونزل مرة واحدة الى العشرة الاف او ربما الخمسة الاف قدم.
وتعتقد ان السبب الرئيسي لهذا الاسلوب هو انه حريص على عدم الوقوع في فخ الاستفراد او العزلة، خصوصا في ظل تعذر الاعتماد على تشكيل جبهة معارضة جديّة وحقيقية في وجه القوى الاساسية التي تستلتزم زمام الامور في هذه المرحلة.