لا تختلف التسوية بنسختها الثانية عن التسوية الاولى او عن البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية ولا حتى عن خطاب رئيس الجمهورية، لكن هذه التسوية التي يصر الجميع على اعتبارها «متطورة» تشكل خريطة طريق للمرحلة السياسية المقبلة وهي بدون شك ربطاً بكل ما جرى قبلها من استقالة وظروف صعبة مؤشر لان البلاد مرت بقطوع سياسي نجت منه بأعجوبة.
بدون شك هي تسوية ترضي الجميع، «لا غالب فيها ولا مغلوب» بل الجميع «منتصرين» كما يقول مرجع سياسي، فرئيس الحكومة عاد الى السراي رئيساً مقرباً محاطاً بفريق سياسي «نظيف» خالي من الشوائب من حوله و«السهابنة» الذين اساؤوا وشوشوا على ادائه وطريقة ادارته لبيت المستقبل وفي السياسة ايضاً والحريري بات ايضاً محصناً اكثر في علاقته برئيس الجمهورية بعدما «وفى» ميشال عون باستمرار الحريري في الحكومة وابقى على التزامه بضرورة استعادة رئيس حكومته، وبـ«حزب الله» الذي اثبت في مرحلة الاستقالة ورغم الخصومة السياسية والاختلاف السياسي معه انه لم يفرط به بل التزم التهدئة وعدم التصعيد وسار في الحلول السياسية وصولاً الى انضاج التسوية.
التسوية اذاً بصيغتها «المتطورة» عن الصيغ الاخرى للبيان الوزاري وخطاب القسم هي نتيجة طبيعية لتفاهم وتنازلات كل افرقاء الحكم من حارة حريك الى بيت الوسط وبعبدا وكليمنصو وعين التينة تفادياً لهز استقرار البلاد. لكن التسوية وفق اوساط كثيرة تبقى في دائرة الاستهداف الخارجي، وبالتالي فان «الحصانة الداخلية» وعدم حصول تطورات معقدة يريح التسوية ضد الهزات المحتملة. وبالتالي فان عوامل كثيرة اخرى تجعل التسوية وفق الاوساط قادرة على الصمود والاستمرار الى وقت اطول.
فالتسوية قامت على انقاض تداعيات الزلزال السعودي الذي هدف الى تغيير المعادلة الداخلية وقلب الوضع في لبنان لمصلحة المحور السعودي. وبالتالي، فالاستفادة من «عبرة» التجربة السعودية كاف لتوافر التوافق الداخلي حولها الى وقت طويل، على ان مكامن القوة تكمن في النقاط التالية:
- ان التسوية بنسختها الثانية تختلف عن الاولى لكونها تستند على تفاهم التحالف الخماسي بين اركان الحكم والسلطة السياسية اي التيار الوطني الحر والمستقبل وحزب الله وامل والحزب الاشتراكي ومع حزب القوات اللبنانية التي حاولت اللحاق وسعت الى ركوب قطار التسوية وتميز تعاطيها مع التسوية بالايجابية البناءة بعدما كانت المعطيات تشير الى ان القوات قد تسجل تحفظها على التسوية، فاذ بوزراء القوات يلتحقون بها وحيث جاء التأكيد من معراب بانها في قلب التسوية، وبان القوات اطلعت عليها قبل جلسة مجلس الوزراء. وبالتالي فان التسوية تكون حظيت بموافقة اكثر ثلاثة ارباع المجلس النيابي مما يعطيها صفة التسوية الناجحة مئة بالمئة.
- ان التسوية بنسختها الثانية هي نتيجة «معاناة» وتجربة خاضها سعد الحريري انتجت رئيس حكومة على صيغة «بلدوزر» لا تشبه صيغة سعد الحريري السابقة في التسوية الرئاسية، فالتجربة صقلت الحريري ومدته بعناصر القوة الداخلية المتمثلة بالرئاسة الاولى التي دعمته في ازمة الاستقالة والمجلس النيابي، فرئيس المجلس النيابي لعب دوراً مفصلياً في مرحلة الازمة وفي انجاز التسوية وتقريب وجهات النظر بين حارة حريك - وبيت الوسط، وبالتالي فان التسوية جاءت نتيجة تنازلات من الجميع، من سعد الحريري بالذات ومن حزب الله ومن رئيس الجمهورية لانقاذ البلد من الفخ الذي كان يستدرج اليه.
 ان التسوية تحظى بالمظلة الاقليمية التي تحميها من السقوط بعد توافر الدعم الفرنسي والمصري لها ورضى المجتمع الدولي والولايات المتحدة الاميركية، وهذه المظلة وفّرت الامان للبنان عندما حدثت الاستقالة المشبوهة لسعد الحريري فيما تبين لاحقا بعد مقتل الرئىس اليمني علي عبدالله صالح ان هناك ربطا بين ما حصل في اليمن وما كان يتم اعداده للداخل اللبناني.
انجاز التسوية والانتهاء من مفاعيلها يحتم وفق اوساط سياسية دخول الحكومة الحريرية مرحلة «الجد» السياسي ومرحلة تفعيل وتزخيم العمل الحكومي، ويلاحظ القريبون من الحريري اليوم ان رئىس الحكومة بعد التقاط انفاسه السياسية وتجاوز محنة الاستقالة يبدي حماسة «غير مسبوقة» لتثبيت وضعية حكومته وتأمين انطلاقة زاخمة لها «وكأن سعد الحريري بترأس الحكومة الاولى له» اذ يسجل القريبون منه انه فاتحهم باستعجال اجراء الانتخابات النيابية حتى قبل موعدها بعدما تأكد انه تمكن من حصد التأييد والدعم السني الكامل له من الشارع الذي كان ينافسه عليه شخصيات سنية في فترة ما قبل الاستقالة وحيث تبين ان الشارع السني لم يخذل رئىس المستقبل في المحنة، بل وقف الى جانب سعد الحريري في «الحلوة والمرة» وبدون شك فإن قدرة الحريري على «لمّ» الشارع السني من حوله معززة بمعالمم التحالف مع التيار الوطني الحر، والثنائي الشيعي يعززان انتصار الحريري في الانتخابات النيابية بعدما كانت وضعيته الانتخابية قبل الاستقالة «على المحك» حتى ان الحريري كان يفاتح المسؤولين عن الملف الانتخابي لديه بمخاوفه من انتخابات 2018.
ووفق الاوساط السياسية فإن الاستقالة التي تم تجاوز قطوعها والتسوية التي مرت بسلام وتوافق، تفرض ايقاعاتها على الوضع السياسي وفي الانتخابات المقبلة، وليس امرا معقدا او مستعصيا ان تحصل تحالفات في بعض المناطق كانت تعتبر «هجينة» او «غريبة» بين المكونات السياسية في المرحلة الماضية، فالتفاهم السياسي بين المستقبل وحزب الله كان معقدا وتمت ازالته وتخطيه والتفاهم الانتخابي قد يصبح جائزا ايضا لضرورات معينة فثمة شبه اجماع بأن حزب الله كان صادقا في ازمة الاستقالة ووفى بالتزاماته السياسية، واصر على استعادته من المملكة وعودته وحده الى رئاسة الحكومة، هذا الموقف المتمسك بالحريري قد  يكون مقدمة لإزالة المعوقات الانتخابية خصوصا ان نائب الامين العام لحزب الله اوصى بحصول تحالفات انتخابية جديدة ربطا بالتحولات السياسية.
السؤال المفترض «هل تمهد التسوية السياسية لتسوية انتخابية؟ كل المؤشرات تدل على منحى سياسي مختلف وعلى تفاهم غير مسبوق بين الاضداد والاخصام يفتح الطريق لتحالفات هجينة على الوضع السياسي.