ثمة من يسأل من «الخبثاء» عما اذا كانت الازمة السياسية التي اشغلت البلد خلال الشهر الفائت، قد انتهت بـ «توليفة» ارادها الشركاء في السلطة مخرجا لازمة قد تبقى قائمة، وان بضوابط تُرضي الجميع وتكفل الحفاظ على الاستقرار العام، وتُبعِد لبنان، ولو بالحد الادنى عن النار الاقليمية المستعِرة، وصولا الى موعد الانتخابات النيابية التي سشهد تحالفات انتخابية وسياسية، كتلك التي سجلت في اعقاب صفقة الدوحة وان بقانون «النسبية»، لكن الجديد... ان حسابات معظم القوى اليوم، باتت مختلفة عما كانت قبل «أستقالة الرياض» التي انتهت ببيان اعاد تقديم «معزوفة» النأي بالنفس... ولو بحلة جديدة.
قللت اوساط سياسية متابعة من المراهنات الكبرى التي يضعها البعض على التسوية الجديدة بين الاطراف والقوى السياسية المشاركة في الحكم، والتي اعتبرتها جهات عدة، انها اشبه بالعودة الى التسوية التي كانت قائمة قبل مسلسل اعلان الاستقالة والتريث عنها والعودة الى الحكومة، لتُتَوِّج «حفلة» الخروج من الازمة الحادة التي شهدها البلد، بفعل «استقالة» ملتبسة ادخلت البلد في «كُومة» سياسية، بالتزامن مع تصعيد سعودي غير مسبوق ضد لبنان، تستند الى جملة من الاتهامات وجهتها المملكة الى «حزب الله»، تبدأ بالتدخل العسكري في اليمن، ولا تنتهي باتهام « حزب الله» بـ «التورط» بتبييض الاموال، وفق ما اعلن وزير الخارجية السعودي الذي اراد زج القطاع المصرفي في لبنان في ملفات من شأنها ان تسيء لصورته ولمستقبل الاستقرار النقدي والاقتصادي، ما دفع بهيئات سياسية واقتصادية الى الاستنفار.
الموجة الجديدة من الاتهامات السعودية  التي اطلقتها «منصة» وزير الخارجية السعودي... وبحدة، ترى الاوساط، انها تأتي مترافقة مع الحراك الجاري في الداخل اللبناني، بهدف توفير  المناخات الملائمة لعودة الحريري الى الحكومة، في ظل ليونة من «حزب الله» ومباركة من رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، فيما بقيت تداعيات الازمة  حاضرة داخل «تيار المستقبل» وفي اوساط  شبكة الحلفاء من القوى السياسية والحزبية التي كانت تنضوي بما كان يُعرف بـ «14 آذار»، وسط سعي داخلي للخروج سريعا من كل تداعيات «ازمة الرياض»، بعيدا عن الخطوات الانتقامية التي كادت ان تطرح، وتتمثل بـ«طرد» وزراء «القوات اللبنانية» وبعض وزراء «تيار المستقبل» الذين «ازعج» سلوكهم السياسي خلال «اقامة» الحريري في العاصمة السعودية، تحت غطاء التبديل الحكومي الذي تجنبه معظم القوى الفاعلة، وهو كان سيُفسر على انه موجه الى السعودية.
واذا كانت حسابات الحريري دقيقة وحساسة في مرحلة ما بعد الرياض، ارادها ان تُراعي السعودية، اعتقادا منه انه قادر على تلبية الحد الادنى مما تطلبه من لبنان، لكن حسابات اخرى تنتظره «ع الكوع»، وتسأل الاوساط عما اذا كانت الامور تتجه نحو استفادة الجميع من «التخريجة» التي ستكون اقل من تسوية واكثر من تفاهم؟ وهل «تيار المستقبل» جاهز لمقايضة «هدوء» حزب الله تجاه السعودية، بهدوء من فريقه تجاه سوريا وايران؟ واذا تطلب «النأي بالنفس» وقف الحملات الاعلامية تجاه الدول العربية والتزام لبنان العلاقات معها، فهل سينطبق على سوريا ما ينطبق على السعودية؟، وماذا عن مصير العلاقات اللبنانية ـ السورية؟ وبالتالي، فان الجميع سيكون امام مسؤوليات بحجم الالتزام بـ «نأي» تتعدد فيه الالتباسات والتعرجات، وتزيد من تعقيداتها التطورات الخطيرة التي شهدتها الساحة اليمنية التي منها دخلت السعودية على خط تفجير الداخل اللبناني بالازمات السياسية والحكومية، بعد اتهام «حزب الله» بالتدخل العسكري في الحرب نفسها التي تتورط بها السعودية.
قد تؤمن التسوية المرتقبة «نأي بالنفس» بنسخة جديدة ومنقحة، تبدو في الشكل طموحة لكنها ستواجه فسيسفاء من التشعبات والتعقيدات السياسية التي تنامت منذ اندلاع حرائق «الربيع العربي» في عواصم عربية عدة، وبخاصة سوريا الساحة الاقرب والاكثر تأثيرا على لبنان، لكن ما سيخفف من وطأة حساسيتها، دخول الجميع في مرحلة الاعداد لخوض الانتخابات النيابية المقررة في ايار المقبل، والتي ستفتح نتائجها الباب على مصراعيه، امام اعادة رسم احجام وموازين القوى وحجم نفوذها وتأثيرها في الساحة السياسية... فالامر مرهون بالانتخابات النيابية المقبلة. ومشكلة السعودية مع لبنان، ترى الاوساط المتابعة، انها فتحت معركة تهديدات باستهدافات تبدأ ولا تنتهي، معركة انتهت لتكون «خُلابية» تحت عنوان دور «حزب الله» في حرب اليمن، في وقت يستعد الحزب الى الانكفاء او الانسحاب التدريجي... بعد خمس سنوات من المشاركة العسكرية الفعالة التي حققت اهدافها في تعزيز صمود الدولة السورية برئاسة بشار الاسد والحاق الهزائم بالتنظيمات الارهابية في سوريا والعراق، والاهم انه اغنى رصيده في الحرب على الارهاب، باستئصال «الدويلة» التي قامت في جرود السلسلة الشرقية التي كانت مصدر تهديد حقيقي لاستقرار الساحة الداخلية التي لم تنجُ من الاستهدافات الارهابية.
وبرأي الاوساط، فان «حزب الله» الذي يعيش نشوة انتصار الحوثيين على العدوان السعودي وتمكنهم من التغلب على حركة الانقلاب التي قادها الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح حليف الحوثيين قبل ان يعلن «مبايعته» للعدوان على اليمن! سيُذلل كل العقبات التي من شأنها ان تُقنع الحريري بانه حصل على شيء ما يعينه على تكريس حالته السياسية في الداخل، في مواجهة «متآمرين ومتمردين وطامعين» لاعتمادهم في الاجندة السعودية في لبنان، سيما وان من شخصيات وهيئات كانت محسوبة على الحريري، قدمت اوراق اعتماد للسعوديين، وهؤلاء اعلنوا الولاء الكامل للمملكة... بل ان البعض منهم «تطوَّع» لتشجيع اي استهداف سياسي ام عسكري لـ «حزب الله» في لبنان، لكن «حزب الله» لن يجد نفسه مجبرا على تلبية كل شيء مقابل لا شيء.
ما هو مؤكد لدى متابعين، ان السعودية المنزعجة من الواقع السياسي في الداخل اللبناني في ضوء مسار التسوية التي سلكت طريقها السريع، بالتزامن مع التطورات الاخيرة في اليمن، وما يعني ذلك من هزيمة جديدة للسعودية في ساحة عدوانها... ولبنان اُفلِت من القبضة السعودية... فهل المطلوب البحث عن جوائز ترضية يقدمها لبنان للسعودية؟ في ظل واقع سياسي وعسكري متحرك... ومفتوح على كل اشكال التصعيد.