أعادت الجلسة الأولى لمجلس الوزراء بعد إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري عن استقالته في 4 تشرين الثاني المنصرم، وتريّثه عن الاستقالة بناء على طلب من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم عيد الاستقلال في 22 منه، وتراجعه عن الإستقالة في 5 كانون الأول الجاري، التأكيد على ما هو مؤكّد في خطاب القسم وفي البيان الوزاري عن «التزام الحكومة اللبنانية بكلّ مكوّناتها السياسية النأي بنفسها عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن الشؤون الداخلية للدول العربية حفاظاً على علاقات لبنان السياسية والإقتصادية مع أشقائه العرب»...

هذا القرار الحكومي الذي اتخذه المجلس بإجماع الوزراء الحاضرين الذين لم يتغيّب عنهم سوى الوزير معين المرعبي، قد لا يُرضي السعودية، على ما رأى بعض المراقبين السياسيين، سيما وأنّها ذهبت الى حدّ لصق تهمة الإرهاب بحزب الله والمطالبة بنزع سلاحه كحلّ للأزمة في لبنان، من وجهة نظرها. إلاّ أنّ عودة الوضع الى ما كان عليه قبل إعلان الإستقالة، أفضل بكثير، على ما أشارت أوساط سياسية عارفة، ممّا رُسم للبنان من قبل السعودية منفردة ومن دون الحصول على غطاء إقليمي أو دولي بخلق فتنة سنيّة - شيعية في البلد تفتح الباب على احتمالات كارثية عدّة.

وكشفت الاوساط بأنّ الحريري الذي عاد عن استقالته وأعاد من خلال البيان الذي تلاه بنفسه بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء بات اليوم مدعوماً سياسياً ليس فقط من اللبنانيين، إنّما أيضاً من دول خارجية كبرى مثل فرنسا وسواها من دول الإتحاد الأوروبي ومصر التي رفضت خطة السعودية بإسقاطه سياسياً في حال لم يتمكّن من إسقاط «حزب الله» وانتزاع ورقة نزع سلاحه. علماً أنّها تُدرك تماماً أنّ مسألة سلاح الحزب لا يُمكن مناقشتها إلاّ على طاولة الحوار، فما الهدف إذاً من القيام بمثل هذه المغامرة الفاشلة؟.

كذلك فإنّ سياسة النأي بالنفس قد توسّعت، على ما أوضحت الاوساط، وبإجماع الوزراء، لتشمل ليس فقط صراعات دول المنطقة، بل أي نزاعات أو صراعات أو حروب قد تنشأ خارج المنطقة ويجري إقحام لبنان فيها لأسباب دينية أو عرقية أو طائفية أو مذهبية. فلبنان قرّر مجدّداً النأي بالنفس عن صراعات الآخرين، على أن يتابع الحريري تنفيذ هذا القرار شخصياً على الأرض، لأنّ الخروج عن الإلتزام بالنأي بالنفس سيضع لبنان مجدّداً في دائرة الخطر، ولكن هل سينأى الآخرون بأنفسهم عن لبنان؟!

وتخشى الاوساط من أن يكون الحريري قد وضع نفسه من خلال التنازلات التي قدّمها لشركائه في الوطن حفاظاً على مصلحة لبنان واللبنانيين أولاً في «بوز المدفع»، كما يُقال، وأنّ حياته باتت مهدّدة فعلاً اليوم ومحفوفة بالمخاطر، أفادت المعلومات عن أنّ سلامة الحريري وأفراد عائلته باتت أولوية بالنسبة للدول الداعمة له توازي مسألة اهتمامها بالمحافظة على أمن لبنان واستقراره لا سيما بعد «القطوع» الذي مرّ به على خير وسلامة.