"يا قدس، يا منارة الشرائع

يا طفلة جميلة محروقة الأصابع

حزينة عيناك يا مدينة البتول

يا واحة ظليلة مرّ بها الرسول

حزينة حجارة الشوارع

حزينة مآذن الجوامع

يا قدس يا جميلة تلتفّ بالسواد

من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة صبيحة الآحاد؟

من يحمل الألعاب للأولاد ليلة الميلاد؟"

(نزار قباني)

بعيدًا عن نوستالجيات العرب الآسرة، المغلّفة لصفقات بعضهم الأثيمة، والمعبّرة عن حنين أندلسيّ عند بعضهم الآخر، لا بدّ من الاعتراف بأن المسيح اليوم يبكي في المذود وتقوده الأمّة المجرمة بقرار مبرم إلى الجلجلة ليعلّق من جديد على الخشبة، وصفقة القرن باعت المسجد الأقصى منذ سنة 2011 أي منذ تاريخ محاولة ذبح سوريا وقبلها العراق، "من ينقذ الإنجيل؟ من ينقذ القرآن؟ من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح؟ من ينقذ الإنسان؟" كما كتب نزار قباني.

القدس قضية الإنسانية المتوجعة والصارخة. هل يعي المسيحيون والمسلمون المستنيرون أنّ الألفاظيّة العربيّة (من اللفظ) تلاقت مع تسطيح حضاري وروحيّ وسياسيّ، ومع خيانات شردت الأمم في ليل الضلال الحالك والمتهالك حتى وصل العالم كلّه إلى قرار أميركيّ متوحّش واعتباطيّ ينتزع عن مدينة الله بهاءها المديد، ويسلخها عن التراث الإبراهيميّ الجامع ضمن منظور آحاديّ وضيّق، ويحقّق لليهود حلمًا تاريخيًّا وقوميًّا يؤكّد سيادتهم على أرض عربيّة متوشحة بهالة دولية حفظتها لسنوات من هذه اللحظة المتحرجة بنا إلى الهاوية؟

المسيحيّة بشقيها الأرثوذكسيّ والكاثوليكيّ مسؤولة وبسبب انقساماتها وعدم وحدتها لا سيّما حول قضيّة وجوديّة تعنيها في الصميم، عن البلوغ إلى قرار نزع هذه المدينة من تراثها. قلّة من المسيحيين العرب انكبت على هذا الملفّ بصدق وإخلاص، كان المطران جورج خضر يتكلّم على القدس في كتابه "فلسطين المستعادة" كجزء من كيانه الروحيّ والشخصيّ والمشرقيّ، والبطريرك إغناطيوس الرابع هزيم رحمه الله قد اعتبر القدس معراجنا إلى السماء، وفي حديث شخصيّ حول التطورات في سوريا مع كاتب هذه السطور قبل وفاته بأسبوعين ونحن في الذكرى الخامسة لرقاده قال: "ليس الهدف من هذه الحرب إسقاط بشار الأسد الهدف إسقاط سوريا، المؤامرة كبيرة جدًّا هي تنتمي إلى سياق واحد، سياق كتبته إسرائيل بحقد كبير تساندها بعض الأنظمة العربية، وعلى النخب الفكريّة والسياسيّة الراقية التصدّي لها لأنها غير محصورة بسوريا بل في سوريا والعراق ولبنان ومتى تمّ تحطيم هذا المثلّث الحيويّ ستنسى الأمم فلسطين وتضيع بل تذوب ذوبانًا كاملاً ويكون الأردن في خطر شديد"، وقمّة نسيان فلسطين تمّ مع سلخ القدس الشرقية عنها وعن حقيقتها وتراثها، ومثلهما حذا المغفور لهما الأبوان ميشال حايك ويواكيم مبارك. وعلى الرغم من ذلك لازمت المسيحية الكونيّة الصمت، وآباؤها ومؤسساتها وعلى رأسها الفاتيكان والبطريركيات الأرثوذكسيّة الأخرى، يدركون أن سلب القدس عن هويتها الأصيلة والأصليّة يسهّل بصورة جذريّة تهجير المسيحيين، أو ما تبقى منهم عنها، ولم نرَ أحدًا على سبيل المثال والحصر يستهجن قضية بيع أوقاف المسيحيين العرب الأرثوذكس إلى اليهود من قبل البطريرك ثيوفيلوس، وهذا يعني إذا ما تماهت هذه القضيّة مع ما حصل سوريا والعراق، إيذانًا واضحًا بإنهاء الوجود المسيحيّ من هذه الديار.

العالم الإسلاميّ بدوره بشقّيه السياسيّ والروحيّ والاقتصاديّ لم يولِ هذه المسألة الخطيرة العناية الفائفة المطلقة، ما عدا قلّة سنيّة وشيعيّة نمت على البرّ والتقوى والاندفاع، أخذت على عاتقها بواسطة نخبها ورجالاتها المقاومين تفعيل قضيّة فلسطين والقدس قلبها وجعلها نصبّ أعينها. لقد دخل العالم الإسلامي مدى خطيرًا من الانقسام المذهبيّ والبنويّ الخطير قاد المسلمين نحو مزيد من التمزّق، فجاءت القوى التكفيريّة في حريها على سوريا وعلى العراق تعبيرًا إسرائيليًّا وأميركيًّا، لدرجة أنه ومنذ الحرب في سوريا وعليها، حدثت مفاوضات سرية بين الأمير بندر بن سلطان ورئيس الحكومة الإسرائيليّة أعلن فيها الأمير الذي كان مديرًا للاستخبارات السعوديّة للإسرائيليين عن تخلّيهم عن المسجد الأقصى، وهو مسجد الإسراء والمعراج وقبلة المسلمين ووجهتهم إلى الجنة، وقد قالت السيدة رابعة العدويّة بأنّ الحجّ ليس إلى البيت بل إلى ربّ البيت. وبفعل ذلك، لم تتمكّن الحرب من إسقاط عبثيّ للمثلّث السرويّ-اللبنانيّ-العراقيّ بقدر ما انعكست نتائجها على الخليج المتورّط في سوريا والعراق ومؤخّرًا لبنان. لقد قادت السعوديّة حربًا فاشلة في المشرق العربيّ، وانقادت إلى مواجهات مذهبيّة فأتت نتائجها عكسية. فضّل الصراع مع إيران في الإقليم المتوتّر، متسربلاً وشاح الهويات بل القوميات القاتلة، بدلاً من التآلف معها ومع الدول العربيّة الأخرى بوجه إسرائيل، وهي من فضلت التحالف مع إسرائيل ، وبدأت تعدّ العدّة لصفقة القرن معها وعنوانها بيع القدس، والمسجد الأقصى فيما إيران تحارب في سبيل القدس وخصّصت يومًا للقدس والمسجد الأقصى قبل عيد الفطر، لدرجة أن صحيفة النيويورك تايمس قد أشارت منذ يومين بأنّ الأمير محمد بن سلمان التقى الرئيس الفلسطينيّ محمود عباس (أبو مازن)، وعرض عليه الاستقرار في منطقة أبوديس وجعلها عاصمة فلسطين بدلاً من القدس الشرقيّة، فما كان منه سوى الرفض المطلق لهذا العرض، وتعتبر تلك الصحيفة كما بعض المعنيين بأن محمد بن سلمان وجاريد كوشنر كانا عرابي هذه الصفقة وعنوانها نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس وهو اعتراف بأن القدس عاصمة إسرائيل الأبديّة.

لقد خرق قرار دونالد ترامب بإعلانه نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس كلّ السقوف، وأبطل السعي نحو السلام، أي أنّه قفز فوق القرارات الدولية الراعية لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين دولتهم وبقية القرارات الضامنة لمباحثات السلام ما بين العرب وإسرائيل ومنها القرارين 242 و338 وطوى معه محمد بن سلمان مبادرة عمّه الراحل الملك عبد الله خلال قمّة بيروت العربيّة سنة 2003 وفيها إقرار بشرعية الدولتين فيما القدس تبقى تحت الإشراف الدوليّ، مدينة مفتوحة تكتسب فيها الأديان حقوقها، والشعوب إليها بفدون. هذا يدل إلى أن العالم كلّه قد دخل بفعل هذا القرار منحى ومنحنى جديدًا من الأزمة في المشرق العربيّ ويترجم على النحو التالي:

1-تمرّ الولايات الأميركيّة المتحدة بصراع بنيويّ بين دونالد ترامب والإدارة الأميركيّة المتحفّظة على هذا القرار وستجد نفسها ملزمة على تطبيقه وتنفيذه من بعد توقيعه من قبل الرئيس الأميركيّ، وفي الوقت إنها أزمة حادّة بين الحزبين الديمقراطيّ والجمهوريّ، وقد بدا واضحًا بأنّ الجمهوريين معارضون لهذا القرار، وقد ظهر ذلك جليًّا في عدد من الأحاديث والمقالات الصادرة في الصحف الأميركيّة.

2-يحاول ترامب بفعل قراره خلط الأوراق في الحوض المشرقيّ، وهو المتهم وبعد حسم المعارك في مدينة البوكمال على الحدود السوريّة-العراقيّة، بأنّه لم يسع لإيقاف النصر ومنع وصل العراق بسوريا، فيما كان اللواء قاسم سليماني يعلن النصر من هذه المدينة على مرآى منه. فاتخذ من القدس منصة كمحاولة لقلب النتائج والانقلاب ومن ثمّ الانقضاض على الرعاية الروسيّة-الإيرانيّة-التركيّة لعملية التسوية في سوريا والتي حتمًا ستستند بعناوينها على النتائج الميدانيّة.

3-يواجه دونالد ترامب وإلى جانبه إسرائيل والسعودية المحور الجديد الروسيّ-التركيّ-الإيرانيّ، فيتخذّ من القدس منصّة للمواجهة وهي جوهر ومضمون صفقة القرن، بدلاً من سوريا العراق، وقد فشل فيهما، فيعدّ نقل اسفارة من باب الضغط الموجع على المحور الجديد، ويخشى من تنتقل الساحة إلى الأردن فتجد المملكة الهاشميّة نفسها ساحة لصراع أمميّ يؤول إلى انتقال فلسطينيي القدس الشرقية والضفة الشرقيّة إليها فيتخلخل الاستقرار ومعه العرش الهاشميّ.

4-من نتائج هذا المنحنى الجديد من الأزمة توطين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والأردن، والدستور اللبنانيّ واتفاق الطائف لفظ مبدأ التوطين وأبطله، ويطرح السؤال التالي وبعد قرار ترامب، ما هو مصير الفلسطينيين في المخيمات؟

5-الأخطر من كل ما تمّ ذكره أنّ ما قرار ترامب، يؤكّد بأنّ المشرق العربيّ يعيش أزمة وجوديّة-دينيّة، وأخلاقية روحية، فلم نلحظ تبنيًّا روحيًّا مسيحيًّا إسلاميًّا واحدًا للقدس الشريف. لم تعد القدس ضمير المؤمنين ولا محجتهم، فالبيت يدنّس ورب البيت يبكي ويتألم ويموت، لأن أولاده تخلّوا عن الحقّ المقدّس في مدينته المقدّسة ومتى تخلّوا عن الحقّ الكامل فقد تخلوا عن الله الكامل. ومما يبدو بأن محاولة تمزيق الله في حروب المشرق آلت في العمق إلى موته، وبموته يموت التاريخ الذي نشانا عليه ويبدأ تاريخ آخر مبنيّ على التفلّت والتصحّر والتبعيات. الفكر الديني غائب عن الوعي، والخطورة فيه انّ النمط الإسلامويّ المنغلق وقد بلغ الحالة التكفيريّة قد أبطل السعي نحو الحقّ والسلام في مدينة السلام، يقابل ذلك تلاشي المسيحيّة الكونيّة وقد أخذت أوروبا تتجه إلى علمانوية متشدّدة.

لم تعد القدس جزءًا من الضمير العالميّ، لقد باعها إلى غير رجعة، فيما المسيحية المشرقية مدعوّة إلى وثبة جريئة نحو القدس، والإسلام القرآنيّ بالشق اللاهوتيّ-الفقهيّ مدعوّ إلى الوثبة نحو القدس والتأكيد على عروبتها وعلى كونها مدينة كونيّة تتعايش فيها الأديان الثلاثة، وأوّل السعيّ أن يلفظ المسلمون كل أصولية من بنيتهم وبيئتهم. تلاقي المسيحيّة المشرقيّة مع الإسلام القرآني في لبنان بشقّه السياسيّ-الميثاقيّ مع الرئيس العماد ميشال عون وما يمثله من قيم سامية والرئيس سعد الحريري وهو يمثّل الإسلام المعتدل والسيد حسن نصرالله امين عام حزب الله مع الرئيس نبيه برّي وكلّ الأطياف اللبنانية، يؤسس لهذه الوثبة والقفزة، فتتلاقى الميثاقية اللبنانية النابعة من التسوية مع المسعى الروسيّ-الإيرانيّ-التركيّ المتفاعل في بنود التسوية الجديدة في سوريا. ففي تكامل التسويتين اللبنانية والسورية بآفاق جديدة وميثاقية تتكامل عناصر مواجهة القرار الأميركيّ الجائر، مع التبنّي لحقّ المسيحيين والمسلمين في مقاومة هذا القرار ومواجهته لتبقى القدس مدينة الله الواحد على الأرض.

جورج عبيد ,tayyar