هناك مشكلة حقيقية ستواجه الولايات المتحدة في مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وليس هناك أعلم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بها، خصوصا أنه خبير في مجال العقارات.


يعلم إمبراطور العقارات أن إيجاد موقع للسفارة الأمريكية في القدس ليس مهمة سهلة، فمدينة القدس حافلة بالنزاعات والجدل حول الأراضي وحقوق ملكيتها، ومن ثم فإن نقل السفارة إلى القدس مشكلة حقيقية، بحسب تحليل صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، التي تتساءل: أين بالضبط سيتم بناء هذه السفارة الجديدة؟

وفي حين يقول البيت الأبيض إن السفارة قد تُنقل في غضون 3 إلى 4 سنوات، يرى دانييل شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل في إدارة أوباما، "أن هذا تقدير متفائل جدًا"، لافتًا إلى أن تلك الخطوة ربما تستغرق ما بين 5 و10 سنوات. 



تل بيوت

في آخر يوم من فترة حكم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، عام 1989، وقّع السفير الأمريكي لدى إسرائيل وقتها، ويليام براون، عقد استئجار قطعة أرض في القدس الغربية، قيمته دولار واحد في العام، لمدة 99 سنة، بعد ذلك خصصت الحكومة الإسرائيلية تلك المساحة لـ"أغراض دبلوماسية" بنيّة بناء سفارة أمريكية هناك.

حاليًا أصبحت المنطقة التي تقع فيها هذه الأرض منطقة مرغوبة جدًا في القدس، على أطراف حي "تل بيوت" وحي "بقعة"، ويصفها ديفيد ماكوفسكي، زميل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي عمل مستشارًا لوزير الخارجية جون كيري بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط بأنها "منطقة رائعة، فقد بُنيت الكثير من مباني الشقق السكنية حولها، توقعًا لبناء السفارة الأمريكية".

لكن هناك مشكلة بخصوص تلك الأرض، إذ إن المعايير الأمنية الجديدة تقتضي أن تفصل جميع السفارات الأمريكية بين مبانيها والشوارع المحاذية مسافة 30 مترًا، تحسبًا لأي انفجار سيارة ملغمة أو اعتداء آخر.

ويقول شابيرو إنه في ضوء القوانين الجديدة، فإن تلك الأرض ليست كبيرة بما فيه الكفاية، ولكي نكون في الصورة أكثر، فإن عدة مصادر أفادت بأن مساحة الأرض الواقعة في حي "تل بيوت" تبلغ من 7 إلى 14 فدانًا، مقارنة بالسفارة الأمريكية الجديدة لدى لبنان التي تقع على 43 فدانًا.


بدائل مطروحة

هناك خيار آخر، شاعت توقعات كثيرة بشأنه، كونه أسهل وأسرع، وهو أن تستخدم الخارجية الأمريكية أحد مبانيها القنصلية في المدينة، وأقدم تلك المباني هو مبنى القنصلية الأمريكية العامة الذي أنشئ عام 1912 والموجود في شارع أغرون بالقرب من القدس القديمة. 

وهناك مبنى آخر أحدث في حي "أرنونا" بالقدس، لا يبعد كثيرًا عن الأرض المستأجرة في "تل بيوت"، لكنه يقع على حدود عام 1967 بين مناطق السيطرة الإسرائيلية ومنطقة كانت آنذاك منزوعة السلاح بعد اتفاق هدنة 1949، على عكس مبنى شارع أغرون وقطعة أرض "تل بيوت" الواقعَين ضمن "الخط الأخضر" الذي يحدد أجزاء القدس التي كانت تحت سيطرة إسرائيل قبل حرب 1967.

وقال شابيرو إنه "بالإمكان نقل السفير إلى قنصلية، بشكل مؤقت ريثما يتم إنشاء مبنى سفارة جديد، وهو ما يتطلب تعديلات في القوانين، لكن اللغة التي تستخدمها إدارة ترامب فيها إشارة إلى أن تلك الخطوة غير واردة".

وكانت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قد ذكرت العام الماضي، أن مسؤولين في القدس قالوا إن المبنى مصمم خصيصًا لكي يصبح سفارة ذات يوم، لكن ديفيد ماكوفسكي قال إن البيت الأبيض أخبره، يوم الثلاثاء 5 ديسمبر/ كانون الأول، أن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، لن ينتقل إلى قنصلية.


شراء أرض

ويضيف ماكوفسكي أن البيت الأبيض أخبره بأن العمل جارٍ لشراء قطعة أرض، ومن غير المؤكد مكان هذه القطعة على وجه التحديد، كما أنه من غير الواضح إن كان بالإمكان شراء أراضٍ ملاصقة لقنصلية ما أو محاذية لقطعة الأرض في "تل بيوت". 

ولم تقدم الخارجية الأمريكية إجابة لاستفسار عن تلك الأرض "تل بيوت" أو الإطار الزمني لخطوة الانتقال، إلا أن وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، صرّح للصحفيين في قاعدة رامشتاين الجوية الأمريكية في ألمانيا، بأن عملية النقل لن تكون سهلة وأن عملية إيجاد قطعة أرض جديدة ستبدأ في الحال: "من الواضح أن الأمر سيستلزم الكثير من التخطيط وسيستغرق بعض الوقت".

وفي النهاية، من المحتمل أن ينتهي الأمر ببناء مبنى السفارة الجديد في القدس في موقع أقرب إلى تل أبيب من توقعات الكثيرين، إذ يقول شابيرو: "أنا على يقين بأن الحكومة الإسرائيلية ستبذل مجهودًا كبيرًا لتجد عقارًا جديدًا للسفارة الجديدة، لكنه أضاف: "العقارات في القدس مسألة معقدة، فالمدينة مضغوطة، ومن الممكن أن ينتهي الأمر بالسفارة على مسافة قريبة من مركز المدينة".