هل يقع الطلاق بين التيار والقوات وما المطلوب من معراب؟


لا تزال «الهزات» الارتدادية «لزلزال» الرئيس الاميركي دونالد ترامب، بعد خطوته «المتهورة» بشأن القدس، مستمرة. وفيما تبلغ ذروة الاحتجاجات في فلسطين اليوم الجمعة، لا يخلو قرار ترامب من الايجابيات. فهو ذّكرالعرب والمسلمين ان ثمة قضية مركزية تركوها خلفهم، وغرقوا في حروبهم المذهبية، وذّكر حلفاءه انه يسهل امتهان كرامتهم دون ان يرف له جفن. وهو في المقابل عزز موقف «محور المقاومة» «وسيدها» الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي قال يوما «ان العالم لا يفهم الا بلغة القوة ولا يحترم الا الاقوياء». وهو في هذا الاطار، دعا بالامس الى تحويل التهديد الى فرصة، ونصح القادة العرب، بخطوة تتناسب مع قدراتهم، وهو العارف بعجزهم، «باستدعاء السفراء الاميركيين وابلاغهم احتجاجا رسميا، وإعلان القدس عاصمة ابدية لدولة فلسطين وانها غير قابلة التفاوض، واضعف الايمان قطع العلاقات العلنية السرية مع اسرائيل»... وبانتظار تظاهرة الاثنين في ضاحية بيروت الجنوبية، عادت الساحة الداخلية الى استقرارها، وينتظر ان يحصل  لبنان اليوم على جرعة دعم دولية في مؤتمر باريس4، فيما لا تزال العلاقة بين القوات اللبنانية وكل من التيار الوطني الحر وتيار المستقبل على حالها من التوتر وتتجه نحو المزيد من التأزم...   
وقبل كلمة السيد نصرالله وبعدها، نشطت الاتصالات الديبلوماسية على خط السفارتين الاميركية والفرنسية في بيروت لاستطلاع مدى انعكاس القرار الاميركي على الساحة اللبنانية، وكان السؤال ماذا سيفعل حزب الله؟ واذا كانت باريس مهتمة بقياس ارتفاع منسوب التوتر على الحدود الجنوبية، كونها تشارك بقوة رئيسية في اليونيفيل، وقد عّبرت عن حرصها على بقاء الهدوء على تلك الحدود... فان الاميركيين كانوا مهتمين اكثر بجمع معلومات حول «النقلة» التالية للحزب، لانه في رأيهم لن يفوت فرصة عودة الاحتقان في الشارعين العربي والاسلامي ضد الولايات المتحدة واسرائيل، وهذا الامر يمثل، بحسب ديبلوماسي اميركي التقى في الساعات القليلة الماضية مسؤولا لبنانيا بارزا، «جائزة كبرى» للحزب الطامح بالعودة الى تلك «الساحة» من بوابة فلسطين بعد سنوات من تحول الانظار الى «الصراع المذهبي» في المنطقة... ومساء حاولت تلك الاوساط معرفة ما قصده السيد نصرالله بقوله «تحويل التهديد الى فرصة»... وهل يقتصر الامر فقط على «خارطة الطريق» التي تحدث عنها بالامس او ان «المسكوت» عنه اكثر «خطورة»؟

 «الصواريخ اللقيطة» 


وفي سياق متصل، رفعت الاجهزة الامنية من درجة استعداداتها على طول الحدود الجنوبية تحسبا لأي خروقات امنية مفتعلة قد تقوم بها مجموعات مشبوهة، لتوريط لبنان امنيا من خلال العودة الى «الصواريخ اللقيطة». وبحسب اوساط امنية، فان هذا الاحتمال وارد جدا في هذه المرحلة «الفوضوية»، في ظل ترجيحات مسندة الى معلومات تفيد بوجود «خطة عمل» اميركية - اسرائيلية - خليجية لاعادة ترتيب المنطقة وفق «خارطة طريق» واضحة. ويأتي الاعلان «المفاجىء» من قبل ترامب حول القدس في هذا السياق.

 مخاوف نصرالله


وفي هذا السياق، تشير اوساط مطلعة الى ان تحذيرالسيد نصرالله من محاولات عربية لتمرير «عاصفة» ترامب، والتقليل من خطورة نتائجها، يأتي على خلفية معلومات ديبلوماسية تؤكد ان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كان يشكو خلال الساعات القليلة الماضية من غياب اي موقف عربي جدي ازاء خطوة الرئيس الاميركي، وهو لم يلمس سوى قلق حقيقي عند الملك الاردني عبدالله الثاني المعني مباشرة بهذا الملف، وهو ابلغه انه «يتوجس» من الاتصالات السعودية - الاميركية لتمرير «صفقة القرن»، ودون اطلاعه على تفاصيلها...
وفي هذا الاطار، عملت الديبلوماسية الاميركية خلال الساعات القليلة الماضية على الترويج، بأن القدس التي يعتبرها ترامب عاصمة موحدة لإسرائيل هي القدس الغربية، و«تنفيذ القرار» بعد إعلانه سياسيًا سيحتاج إلى مزيد من الوقت، وهو جزء من مشروع متكامل، وأشمل لعملية سلام ستؤدي إلى «حل الصراع». والهدف من القرار حسب «الرسائل» الأميركية، هو إحراج اليمين الإسرائيلي، على أن يقرن ترامب الأمر بخطة شاملة لاستئناف المفاوضات والعودة الى تبني خيار «حل الدولتين» مجددًا. ونصح الاميركيون الحلفاء العرب بأن يركزوا من الآن وصاعدا على  الاستفسار عن الترسيم الجغرافي للقدس، التي يقصدها قرار الرئيس الأميركي وسيبحثها نائبه خلال جولته في المنطقة. وهذا الامر ينطوي على خديعة كبرى، في رأي مطلعين، لانه «تسليم بواقع» الخطوة الأميركية، وهو حلقة في مسلسل «تصفية القضية الفلسطينية». اما قول الأمريكيين إن ترامب سيستخدم مطرقته لفرض «عملية السلام» بعد خطوته الاخيرة، فهو مجرد «ذر للرماد في العيون»، وقد ابلغ عباس المقربين منه ان الدول العربية لم تكن متجاوبة معه في اتخاذ اي خطوات جدية للمواجهة، وهو استنتج ذلك بعد اتصالات مع المسؤولين في مصر والسعودية والإمارات...

 نصرالله


وكان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد دعا امس الى تحويل التهديد الى فرصة، مؤكدا إنه «يجب إدراك المخاطر المترتبة على القرار الاميركي بنقل السفارة الاميركية الى القدس المحتلة وسيشكل لنا جميعا حافزا للحركة وتحمل المسؤولية وعدم الإصغاء للاصوات التي ستصدر في الايام المقبلة والتي ستقول إن ما حصل ليس له اهمية ولا قيمة له اي تهوين خطورة هذا القرار»، وشدد على ان «القرار الاميركي هو عدوان سافر على مقدسات فلسطين والأمة، ونحن امام ظلم واستعلاء اميركي قل نظيره مما يرتب على الجميع مسؤوليات المواجهة، بعد ان قال ترامب للصهاينة كل القدس لكم وهذه عاصمتكم وتخضع لسيادتكم». واوضح «ان الحاجز الاميركي التكتيكي المرتبط بالديبلوماسية والعلاقة بين الدول سقط بالامس بالضربة القاضية، وبعد الموقف الاميركي لم يعد هناك حواجز امام الصهاينة... واشار السيد نصرالله الى ان الدول العربية والاسلامية يمكنها استدعاء السفراء الاميركيين في كل العواصم العربية والاسلامية وابلاغهم احتجاجات رسمية وطالب السيد نصر الله ـ القمة العربية والاسلامية بإصدار قرار واضح وملزم لجميع الدول العربية والاسلامية بأن القدس عاصمة لدولة فلسطين وغير قابلة التفاوض... ودعا لتظاهرة شعبية كبرى في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد ظهر يوم الاثنين المقبل...

 «طلاق» بين «القوات» و«التيار»؟


داخليا، وفيما دعا رئيس مجلس النواب الى جلسة للمجلس النيابي ظهر اليوم لمناقشة قرار الرئيس الاميركي بشان القدس، من المنتظر ان يحظى رئيس الحكومة سعد الحريري «بجرعة» دعم دولية في مؤتمر باريس 4 الذي ينعقد اليوم. في هذا الوقت، لا تزال العلاقة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية عند «مربع» التوضيحات المتبادلة، دون حصول تقدم ملموس في «المراسلات» المتبادلة بين وزير الاعلام ملحم رياشي وغطاس خوري. في المقابل، تشير اوساط مطلعة الى ان العلاقة بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر في «أسوأ» احوالها، وقد تركت مواقف الوزير جبران باسيل في مقابلته التلفزيونية قبل ساعات انطباعات «سلبية» جداً في «معراب»، وتقترب العلاقة من الوصول الى «نقطة اللاعودة» اذا لم تحدث «عجيبة» في الايام القليلة المقبلة... فهل بات «الطلاق» امرا واقعا؟
وفي هذا السياق، تؤكد اوساط التيار الوطني الحر ان جدول اعمال الوزير جبران باسيل لا يحتوي على موعد مقرر مع رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، فالمراجعة الجدية من قبل معراب لكل مرحلة الاستقالة «الجبرية» لم تحصل بعد... «والكرة» في «ملعبها»، تقول تلك الاوساط، فما يريده التيار الوطني الحر واضح ولا يتعلق بـ«تعديل» شروط التسوية الاخيرة، لان كل ما هو متفق عليه كان وثيقة سياسية قابلة «للحياة» اذا ما التزمت بها معراب، لكن ما قبل الرابع من تشرين شيء وما بعده شيء آخر، لا يمكن ان تكون «القوات» جزءا من الانقلاب على العهد والتسوية الرئاسية - الحكومية، وعندما تفشل تلك المحاولة تعود للاصطفاف تحت «مظلتها» وكأن شيئا لم يكن. نعم، بات جليا لدى بعبدا «وبيت الوسط» ان رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع كان جزءا من «المطبخ» الذي وافق على ازاحة رئيس الحكومة سعد الحريري من المشهد السياسي، وقدم نفسه «راس حربة» في مشروع التغيير السعودي، بعد ان تبلغ به خلال زيارته الاخيرة الى الرياض، وجرى تنسيق جزء من «المهمة» مع محمد دحلان في الامارات العربية المتحدة. وهذا القرار «الانتحاري» كاد يدخل البلاد في أتون صراع دموي، وهو موجه اولا واخيرا الى العهد... فهل يمكن بسهولة ان «تغسل القوات يديها» من هذه المؤامرة، وتقول «سامحوني» «حسبناها غلط»... وهل يمكن ايضا ان يسأل جعجع «بسذاجة» امس الوزير باسيل عن العلاقة بين ازمة استقالة الحريري والتفاهم «الثنائي»؟

 ما المطلوب من «القوات»..؟


ويبقى السؤال: ما هو المطلوب من «القوات» اليوم؟لا شيء محدد، تقول تلك الاوساط، لكن بالحد الادنى لم نرها «تتلو فعل الندامة»، عليها اولا اقناع الاخرين بأنه ليس في نيتها «طعنهم في الظهر» مرة أخرى، وعليها تقديم مكاشفة ومصارحة جدية حيال طبيعة الدور الذي انيط بها في تلك المرحلة «السوداء»، ولماذ قبلته؟ وتقديم ضمانات حيال «المستقبل»، فهل من المنطقي ان تشارك بمشروع انقلابي ثم تأتي بعد الفشل لتحتفل مع الذين انتصروا على هذا المشروع؟ ثمة شيء يجافي المنطق الانساني والاخلاقي، والمنطق السياسي، «معراب» مطالبة بالكثير، قبل عودة «المياه» الى مجاريها، مع شركائها السابقين، واول شيء مطلوب هو «التواضع» والاقتناع بان الدور «المضخم» «للقوات» قد انتهى، وعليها القبول بدور يتناسب مع حجمها، والا فلتأخذ الخيار الذي يناسبها... لقد تم احتواء «غضب» البعض وتم تجاوز الافكار الخاصة بعزلها من خلال عدم اقالة وزرائها. والان ثمة من يسرب معلومات من داخل «الدائرة المقربية من «الحكيم» تشير الى انه لا يرى مصلحة الان في تسوية خلافاته، خصوصا على الساحة المسيحية، وهو مقبل على سحب وزرائه من الحكومة قبل الانتخابات لان دور «الضحية» يجذب الناخبين؟!... فهل بتلك الحسابات يعاد بناء الثقة؟ تسأل تلك الاوساط..

 «القوات» «وقفص الاتهام»


في المقابل، تشير اوساط القوات اللبنانية الى انها لا تعتبر نفسها في»قفص الاتهام»، وتستغرب دخول «التيار الوطني الحر» على خط الخصومة المستجدة بين «معراب» «وبيت الوسط». وهي تشير الى ان «الحكيم» «لم يطلب اي موعد من احد، فيما البعض يحاول حشرنا، في «الزاوية». من لديه الدليل على تورط «القوات» في شيء عليه بتقديمه، لكننا لسنا في صدد تقديم فحص دماء لاحد. ويبدو ان رئيس التيار الوطني الحر يبحث عن حجج للخروج من التفاهم، واذا كا هذا خياره عليه ان يفعل ما يريد، ولكنه يتحمل مسؤولية عودة الانقسام الى الساحة المسيحية، اما محاولة ترهيبنا لنسكت عن «التهريبات» «والفساد» وتمرير الصفقات، فهو امر لن يحصل»...

 اجواء «سلبية» في «بيت الوسط»


في هذا الوقت، لا تزال الاجواء في «بيت الوسط» ضبابية حيال تقدم المحادثات الجانبية مع «القوات». وتشير المعلومات الى ان الوزير غطاس خوري ابلغ الرياشي صراحة ان ثمة «ازمة» ثقة كبيرة عند رئيس الحكومة وتحتاج الى مزيد من الوقت والجهد كي تبدد، وعلى القوات اللبنانية اقناع الرئيس الحريري اولا بخلفيات مواقفها خلال ازمة الاستقالة، ثم اقناعه بعدها «بالمصلحة» المشتركة التي ستقنعه بعودة العلاقات الى طبيعتها... وقد فشلت كل الوساطات خلال الساعات القليلة الماضية لجمع رئيس الحكومة سعد الحريري بـ«جعجع» قبل ذهابه الى باريس، كما كانت ترغب «معراب»، لكن الردود كان سلبية في «بيت الوسط» وابلغت «القوات» انه بعد عودة رئيس الحكومة «سيبنى على الشيء مقتضاه»، دون تقديم اي وعد بحصول اللقاء..!