الذي أدعى لنفسه القول أنّ الرئيس سعد الحريري تحرّر من الحصار السعودي في الرياض، وقع في ازدواجيّةٍ مريرة ببيروت، إذ يَثبُت يوماً بعد آخر أنَّ الرجل لا زال موضوعاً بين فكي كماشة سعوديّة ويتعرض لشتّى أنواع الابتزاز المضبوط حتى الآن بسقف الدعم الفرنسي – المصري الذي وفّرته التسوية.

منذ تاريخ وصوله إلى بيروت واعلانه العودة عن الاستقالة عبر الترّيث ثم البيان الشهير، يغيب الرئيس سعد الحريري عن أجنّدة الاهتمام السعودي، إذ خَلت مواقف المملكة من أي مادة تُعلن فيها دعماً صريحاً للرئيس الحريري بعد تاريخ 4 تشرين الثاني، بل برزَ موقفٌ مُعاكس قدّمه وزير الخارجية عادل الجبير استدعى ردّاً من الحريري نفسه.

الاجحاف السعودي بحق الحريري الذي يؤكّد كلّ ما جرى تداوله من معلومات حول المكيدة التي دبرت له، لا ينحصر في السياسة بل في الاعلام أيضاً، إذ باتت صحف المملكة تتحاشى تسليطَ الضوء على نشاطات الحريري كالسابق، بل صارت مهتمّةً أكثر بتخصيص مساحات لعرض مقالات هجوميّة لم ينجوا الحريري من شظاياها، ما عزا بمتابعين للاعتقاد بأنَّ تراكُمات مرحلة 4 تشرين الثاني لا زالت موجودة.

ما يزيد من الظن أنَّ أمور الحريري والسعودية ليست على ما يرام أو لم تعد كذلك رغم عمليات التجميل التي اجريت لها، أن السفير السعودي في بيروت، وليد اليعقوبي، الذي سبق له أنّ التقطَ "صورة الساعة" أثناء احتجاز الحريري في الفيلا بالرّياض، لم يبادر نحو رئيس الوزراء ولو بخطوة وحدة.

وتؤكد مصادر عليمة، أنَّ السفير السعودي وعلى عكس ما جرت عليه العادة، لم يقم بزيارة واحدة للرئيس الحريري منذ تاريخ وصوله إلى بيروت، الذي تلى "فك الاحتجاز".

المقاطعة إنسحبت على الهاتف أيضاً، إذ لمّ تُسجّل المصادر ورودَ أي اتصال من رقم السفير اليعقوبي إلى هاتف الحريري ولا العكس، ما يدلّ على وجود لَبس.

وينقل زوّار جالسوا السفير السعودي مؤخراً، أنّه تحاشى أمامهم الحديث عن أي أمر يتعلق بالرئيس الحريري، داخلي لبناني أم خارجي سعودي، فخيل لهم أنَّ الصمتَ مردّه إلى عدم منحه الاجازة للعمل رسمياً كون أوراق اعتماده لم يجرِ تقديمها بعد بإنتظار تحديد موعد.

لكن الحقيقة وفق مطلعين ليست كذلك أبداً، لكون السفير هو ناطق بلسان السلطة الرسميّة في بلاده، وبالتالي يُصبح الصمت معبراً في حال مورس على قضيّة تعني رجل سياسي ما، فالتهرب من الاجابة عن تساؤلات أو تحاشي تطوير العلاقة مع أي جهة رسمية، له مدلول يتوقف على ترجمة موقف سياسي تتخذه ادارة بلد ما من شخصية ما.

إذ يُفهم أنَّ طبيعة المقاطعة السائدة بين الرئيس الحريري والسفير اليعقوبي ليست "شخصيةً" أبداً بل "سياسيّة" وفك شيفراتها مرتبط بالنوايا التي سيرسو برّها خلال فترة "السماح" التي اردتها الرياض مرحلةً لركلجة مواقفه السياسيّة بما يسمح بخلق "توازن قوى" مع المحور الذي يمثله حزب الله.

وتدل المقاطعة على خيار السعودية الابتعاد عن الحريري مرحلةً من الزمن وتركه يضبط اموره وفق مقتضيات التسوية المدعومة فرنسياً ومصرياً، ثم البناء على النتائج لاحقاً، وكل ذلك حدا بمطّلعين الى تشبيه العلاقة بين "الرئيس" و "السفير" الآن بأنها كعلاقة الحمى مع الكنّة.

عبدالله قمح | ليبانون ديبايت