لم يعد خافياً على أحد أن عودة رئيس الحكومة سعد الحريري عن الاستقالة أحدثت فجوة واسعة بينه وبين السعودية، وتعمّقت بعدما رسم الحريري تحالفات جديدة عقب خروجه من المأزق، خصوصاً مع التيار الوطني الحرّ، الحليف الاستراتيجي لحزب الله، ضارباً بعرض الحائط الروابط التي تجمع آل الحريري مع المملكة.

وفي الوقت الذي يتساءل فيه البعض عن عمر هذا التحالف، ما إن كان مؤقتاً ينتهي مفعوله بعد اجراء الانتخابات أم سيطول إلى أن تواجهه عقبة سياسية تنهي ما بدأ، كما بقية التحالفات اللبنانية، تتجه الأنظار إلى السعودية التي لا تزال أوراق سفيرها في لبنان وليد اليعقوبي متعثّرة، لاعتبارات وكيديات سياسيّة، والتي تعمل على الخطة "ب" للعودة إلى لبنان بعدما فشلت الأولى.

لم يكن الحريري ليغامر بهذه العلاقة لو لم يُحاط بدعم إقليمي وضمانات داخلية تحمي ظهره إلى حين إعادة المياه إلى مجاريها مع الرياض، باعتبار أنّ رئيس الحكومة يحاول خلال هذه الفترة الاثبات أن عودته لم تكن عناداً وتحدياً للمملكة، بل بهدف إعادة تصويب الأمور، والعمل جديّاً على تحييد لبنان عن التدخل في شؤون المنطقة، على الرغم من خسارته، في المقابل، تحالفات "معتّقة" مبنيّة على أسس وطنية.

مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى تؤكد لـ"ليبانون ديبايت" أنّ الطلاق بين الحريري والسعودية تمّ ضمنياً، والتبريرات التي تصدر من قبل الجهتين ليست إلا مناوشات ظاهرية للقول إنّ البيت لا يزال متماسكاً، ما يعني أن الانفجار بين الطرفين تأجل إلى وقت لاحق. وما زاد الأمور تعقيداً، التقارب والغزل اللذان أنتجتهما "الصدمة الإيجابية" بين الحريري و"الوطني الحرّ" ويُترجمان انتخابياً في أيار 2018.

كسب الحريري أوراقاً على الساحة اللبنانية تمثّلت بتحالف يعطيه أصواتاً شيعية ومسيحية، فضلاً عن السنيّة، للعودة بقوة، لكنه خسر الأوراق السعودية التي من شأنها أن تطيل عمره مادياً وتجارياً وزعاماتياً، وهي الأقوى. لذلك، لم تستسلم السعودية وحاولت تبرئة نفسها ممّا حصل، باعتبار أنها لا تتدخّل بالشؤون الداخلية، لكنها أرجأت اثبات وجودها على الساحة اللبنانية إلى حين اكتمال الخطة "ب"، تماشياً مع عودة الحريري، مرحّبة بهذه الخطوة.

كما لا تنتظر الرياض نتائج الانتخابات اللبنانية بل الوقت الذي يناسبها للعودة، تاركة الحريري في تحالفاته الجديدة، باعتبار أنّها لا تعترف بخسارة أوراقها، أي الشخصيات التي تعتمد عليها لبنانياً. فعلى الرغم من أنّ هناك اجماعاً على عملية اغتيال رجل الأعمال بهاء الحريري سياسياً، لا تزال تحتفظ المملكة بهذه الورقة، فهي لا تدرس خطواتها على أسس لبنانية، بل وفقاً لاستراتيجية رجل تعمل القوى الدولية على ايصاله أعرجاً إلى الكرسي، وهو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يريد العودة هذه المرة ضامناً الربح.

داخلياً، يسعى الحريري إلى تمزيق الصفحة السوداء مع التيار الوطني الحرّ، في حين تتخوّف أوساط سياسية عدة من "التقارب المصلحة"، الذي قد تقضي عليه أية "دعسة ناقصة"، خصوصاً أنّ تحسين العلاقة تأسس على مبدأ المصالح المتبادلة من خلال التسوية الشهيرة.

وتشير إلى أن الابراء المستحيل ليس تصريحاً عابراً بل مدوّناً ومُديناً، ويمكن سحبه عن الرف في أية لحظة، ومَن أظهر "المستقبل" بهيئة "داعشي أزرق" يمكنه ضرب "الاعتدال السني" مجدداً عبر ايقاظ "المظلومية"، باعتبار أن المارد السني يتفرّد بالحكم ويجب ردعه. كما أنّ صفعة "المعلم ـــ باسيل" واردة، في ظلّ الحديث عن إحياء العلاقات اللبنانية ــ السورية، بحجة المصالح الاقتصادية

"ليبانون ديبايت" ــ فيفيان الخولي