ظاهرة التغيّر المناخي تطاول دول العالم، وتنذر بمخاطر صحية واقتصادية جمّة، ولبنان ليس بمنأى عن هذه الظاهرة التي تنعكس مؤشراتها ارتفاعاً في درجات الحرارة وانخفاضاً في كمية المتساقطات وفي الغطاء الثلجي، وكدليل على التغير المناخي يكفي ملاحظة التغيرات المناخية التي طرأت على الغطاء الثلجي في منطقة ضهر البيدر، التي كانت مقصداً للتزلج في خمسينات القرن الماضي، فيما غابت هذه الفرصة اليوم ،يقول أحد البيئيين . 

هطول الأمطار الغزيرة في فترة محددة تترافق مع سيول غزيرة، وانحسارها أياماً وربما أسابيع هو مؤشر على التصحر في لبنان،وكذلك الفوارق الكبيرة في درجات الحرارة بين النهار والليل في مناطق داخلية. تأثيرات تغير المناخ لا تطال الجانب البيئي فحسب بل تتخطاه إلى الإقتصاد الوطني بكل قطاعاته، وبحسب دراسة أعدّتها وزارة البيئة، وصلت تقديرات الخسائر التي سيتكبدها لبنان جراء التغير المناخي الى 50 مليار دولار بحلول عام 2020 .

مدير مشروع تغير المناخ في وزارة البيئة، المنفذ من قبل برنامج الامم المتحدة الانمائي، فاهاكن كاباكيان وفي حديث لـ"لبنان 24" أكّد أنّ عدم إيلاء هذه الظاهرة الأهمية المطلوبة سيجعلنا نواجه مشاكل اقتصادية خلال الخمسين سنة القادمة"، نعدّ دراسة وخططاً على نطاق البلد، لنرى ما الذي يمكن فعلُه وتطبيقه على أرض الواقع في قطاعي الزراعة والمياه لتدارك تداعيات تغيّر المناخ وتقليل الآثار السلبية".

كاباكيان وخلال عشر سنوات من العمل في هذا المضمار يلفت إلى أنّ الذهنية تغيرت في النظرة إلى ظاهرة تغير المناخ، بحيث أصبحنا أكثر إدراكاً ووعياً حيال مخاطرها، "تمكّنا من العمل على تخفيف الإنبعاثات بنسبة 0.07 %، ولكن لبنان ليس بجزيرة معزولة، ولا يمكن العمل بمعزل عن جهد دولي متكامل، فحتّى لو توصلنا إلى صفر انبعاثات لا تؤثر وحدها على التخفيف من تغير المناخ في العالم ،من هنا العمل في هذا السياق يكون عالمياً ومحلياً في الوقت نفسه.

وبكل الأحوال لبنان ملتزم دولياً من خلال توقيعه على اتفاقية باريس،ونعمل على تفعيل موضوع التكيف مع تغير المناخ. وهناك عمل من قبل وزارة الزراعة مع مركز البحوث الزراعية لتحديد المزروعات القابلة لتحمل جفاف الطقس كالبطاطا وأشجار مثمرة، تترافق وحسن ادارة المياه المستعملة للري. وفي وزارة الطاقة والمياه يجري العمل على تقليل الضغط على المياه الجوفية والمخزون المائي ،ويعملون على إنجاز تحديث للمؤشرات المناخية في البقاع، إضافة إلى اطلاق دورة جديدة للمناقصات في الطاقة الشمسية والرياح ،وبالتالي لم تعد فقط وزارة البيئة تتحدث عن التغير المناخي بل وزارات أخرى أدرجت الموضوع في خططها".

كاباكيان ووفق الدراسات التي أنجزها المشروع لفت إلى أنّ درجات الحرارة ستشهد ارتفاعاً من 3 إلى خمس درجات بحلول العام 2100، وكذلك هطول الأمطار سيشهد تراجعاً قد يصل إلى 25 %، والأخطر أن هذا التراجع سيترافق مع هطول أمطار غزيرة لأيام معدودة ،تليها أيام أو أسابيع من انحسار الأمطار، كما حصل الأسبوع الماضي مثلاً، حيث وصلت نسبة الأمطار في يوم واحد إلى 20 ملمتر.

وفي مقارنة مع أرقام متساقطات العام الماضي كان المجموع حوالي 700 ملمتر، هذا العام وصلت نسبة هطول الأمطار إلى 350 ملمتر أيّ الكمية نفسها في هذا التوقيت من العام الماضي. أمّا شح بالمياه الذي يعانيه لبنان حتى في فصل الشتاء ،هو نتيجة طبيعة لبنان بحيث لا يوجد مخزون مياه من دون ثلوج ،وكل الأمطار تذهب إلى البحر بغياب السدود .

كاباكيان يلفت إلى أنّ الدولة وحدها غير قادرة على التصدي لتغيرالمناخ ولا بدّ من إشراك جهات فاعلة غير حكومية، من هنا تمّ إطلاق مبادرة "Lebanon Climate ACT"،لإشراك المؤسسات التجارية في العمل المناخي والحصول على اقتصاد منخفض الكربون، "نعمل على خطط توعية مع الشركات كي يلتزموا بشكل طوعي، 15 شركة صاروا أعضاء، وعشر شركات حضّروا خططاً، وبعضهم بدأ بالتنفيذ عبر تركيب معدّات توليد الطاقة من الشمس وغيرها، ونعمل أيضاً على منح الشركات حوافز كالإعفاء الجمركي أو الضريبي".

لبنان دخل المعادلة المناخية العالمية من خلال توقيعه على اتفاق باريس في 22 نيسان 2016، وفيه تعهدت الحكومة بالعمل على التخفيف من الاحتباس الحراري ومواجهة التحديات المستقبلية المتعلقة بانعكاساته على المياه والطاقة والتغذية،وحتى يومنا لم يتمّ التصديق على المشروع في مجلس النواب، الذي أُرسل في آب عام 2016 .

تغير المناخ مسألة حياة أو موت، يقول كاباكيان،وليست ترفاً بيئياً، وعملية الإنقاذ مسؤولية جماعية، تبدأ بترجمة الإلتزام باتفاق باريس من خلاله إقراره أولاً في مجلس النواب وثانياً على أرض الواقع .


نوال الأشقر - خاص "لبنان 24"