للتو، قالوا في واشنطن انه يراقص التنين، ولكن بساق واحدة!
باللغة الأميركية، ما هو مصير من يراقص التنين؟ أمام دونالد ترامب تقرير حول شكوى ايمانويل ماكرون من أن الرئيس الأميركي وضع يده على كل ثروات، وصناديق، دول الخليج، وصولاً الى العراق، ودون أن يترك للأوروبيين حتى العظام.
في بكين، دعا الرئيس الفرنسي نظيره الصيني شي جين بينغ الى تحالف من أجل المستقبل. ردة الفعل الأميركية أن الاليزيه يعلن انشقاقه عن المعسكر الغربي، ويلتحق، منذ الآن، بالصين في معركتها الكبرى ضد الولايات المتحدة ربما قبل منتصف القرن.
باريس لا تشكو فقط من أن ترامب يقفل مغارة علي بابا أمامها. انه يقفل حتى الأبواب الديبلوماسية. لم يعد هناك موطىء قدم لفرنسا في الملف الفلسطيني ـ الاسرائيلي. الكل, بمن فيهم الفلسطينيون الذين استنزفوا تفاوضياً على مدى ربع قرن، باتوا خارج اللعبة. هذا ماكان يبتغيه بنيامين نتنياهو. أن يرقص وحيداً في الحلبة بعدما أتهم باراك أوباما بالمراوغة وبخدمة آبائه المسلمين.
ثمة شيء من القيم في الديبلوماسية الفرنسية، وان استخدمت تكتيكياً في الكثير من الأحيان. دونالد ترامب حمل مكنسته الى الرياض، ثم راح يلعب بهلوانياً بين دول الخليج.
لاأحد تعنيه، أخلاقياً، أزمات المنطقة والعديد منها مبرمج خارجياً. كل ما في الأمر أن ثمة قطاع طرق ينزلون من الطائرات، ومعهم زوجاتهم وبناتهم الفاتنات، ولا يتركون حتى طعاماً للفئران في صناديق العرب.
الصحف الفرنسية، في ملاحقها الاقتصادية، تتحدث عن الاختناقات التي توحي بانفجارات وشيكة، لا سيما في السودان وتونس، وحتى مصر والمغرب. يحكى أيضاً أن مؤتمر اعادة اعمار العراق الذي يزمع عقده في الكويت انما يشق الطريق أمام الشركات الأميركية التي ستتولى ادارة المهمة، بصورة أو بأخرى، وبمبلغ يناهز المائة مليار دولار.
لا شيء يوحي بأنهم في الغرب يقرون بوجود كائنات بشرية في القارة العربية. براميل من النفط وتتدحرج اما على أرصفة روتردام أو على أرصفة وول ستريت. الأمير محمد بن سلمان الذي وضع كل صناديق المملكة بتصرف دونالد ترامب، وصديقه جاريد كوشنر وزوجته ايفانكا، اضطر الى اعتقال أبناء عمومته وتجريدهم من ثرواتهم، لتغطية نفقات التحول من ثقافة تورابورا الى ثقافة لاس فيغاس.
لن تعثروا في ديار العرب سوى على بعض الصراخ حول فلسطين التي تذهب قطعة قطعة الى «الوعد الالهي». الصراع، الذي طالما تحول الى كرنفال للأقنعة، تلاشى في حضرة خادم الحرمين الشريفين. انها البراغماتية... أيها الغبي!
البيت الأبيض كان يوزع الصفقات على الاوروبيين الذين يشتكون الآن من الاستئثار الأميركي. في عهد دونالد ترامب، يكاد لا يوزع على من لا يستسيغهم حتى أكياس الطحين الرجل ينتمي الى تلك المدرسة الأميركية التي تعتبر أن هاري ترومان ارتكب خطأً استراتيجياً بعيد المدى حين ترك لوزير خارجيته جورج مارشال أن يطلق مشروعه الشهير لاعادة اعمار القارة العجوز في الخامس من حزيران 1947، مع أن الغاية كانت اعادة تأهيل الأسواق الأوروبية لاستيعاب المنتجات الأميركية.
ايمانويل ماكرون يبحث، كما أي رئيس فرنسي آخر عن دور خارج الملكوت الأميركي. كلنا نعلم ما كانت تداعيات ذلك على قامة شاهقة مثل شارل ديغول، وعلى مثقف فيلسوف مثل فرنسوا ميتران. أميركا هي المايسترو. الآخرون هم الكومبارس.
أوساط اعلامية وسياسية غربية ترى أن الرئيس الفرنسي، بكلامه عن التحالف مع الصين، اختار طريق الجلجلة. واشنطن تتقن ثقافة الثأر. رئيس الوزراء الروسي يفغيني بريماكوف (في عهد بوريس يلتسين) كان على قاب قوسين من الكرملين، حتى اذا ما زار بكين ودعا الى تحالف في وجه أميركا، دفع بفظاظة الى خارج الساحة الحمراء.
ماكرون يعتقد أن المشهد الدولي تغير. الولايات المتحدة فقدت الكثير من صدقيتها، والكثير من تأثيرها، في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية. الآن رئيس فرنسي يعترف بـ«اننا أخطأنا حيال الصين».
الأوروبيون الذين طالما فاخروا بـ«عصر الأنوار» أغفلوا عن عمد الاشارة الى دور «التكنولوجيا» الصينية التي كانت تصلهم، وساهمت في انتاج ذلك العصر. حاولوا التشديد على أن النهضة ظاهرة ذاتية أسهمت فيها هجرة العلماء والفنانين من القسطنطينية لدى سقوطها في يد السلطان العثماني.
تحالف مع الصين. انشقاق عن أميركا. مغامرة جميلة لكنها في مرمى نيران رعاة البقر!!