تشكل خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس وتطبيق القانون الصادر عن الكونغرس سنة 1994 باعتبار القدس عاصمة اسرائيل، خطورة كبيرة ليس فقط على القضية الفلسطينية بل على محور المقاومة ككل في المشرق العربي الذي لا يزال عاصيا على الصهيونية العالمية وأدواتها في المنطقة. حاولت الصهيونية عبر الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية بالتنسيق مع بعض الدول العربية كسر محور المقاومة الممتد من إيران إلى بيروت عبر تفتيت المجتمعات المنضوية تحت لوائه اكان عبر اشعال حروب اهلية، او عبر تجويع وحصار اقتصادي ممنهج كما حصل في العراق. الهدف تفتيت المحور وإنهاؤه لتثبيت مصالح الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة و ضمان ديمومة الكيان الإسرائيلي.
بالتوازي مع المخطط الذي دمر سوريا والعراق غير أنه فشل في تفتيت الدولة المركزية والقرار السياسي الحكومي، يأتي قرار ترامب بشأن القدس. ان هذا القرار يوازي باهميته وتداعياته الحروب والصراعات التدميرية التي نشأت في المنطقة. فإذا كانت الحروب دمرت البنية التحتية وفتتت المجتمعات العربية وشردت قسما كبيرا من شعوبها، فإن قرار ترامب يضرب ابرز القواعد الفكرية التي يرتكز عليها محور المقاومة في المشرق. ان فلسطين بأرضها وعاصمتها هي العامود الفقري الفكري للمقاومة وإنهاء القضية الفلسطينية عبر اعتبار القدس عاصمة الكيان الإسرائيلي أولا وثم ضم الضفة الغربية وإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية، سيقسم ظهر المقاومة ويضعف حجة وجودها والتفاف الشعب حولها، هذا ان فشلت في مواجهة قرار ترامب. فالأنظمة التي ارساها الاستعمار الأوروبي بعد انسحابه من المنطقة تلقت الضربات وحصلت الانقلابات عليها يوم فشلت في مواجهة الصهيونية وفي بعض الحالات تآمرت معها على القضية الفلسطينية. هذا الفشل ادى الى صعود العسكرة المؤمنة بالقومية العربية التي بدورها فشلت أيضا في الدفاع عن فلسطين، وصولا إلى سطوع نجم حزب الله في لبنان الذي صنع انتصارات ملحمية في مواجهة العدو الصهيوني وآخرها في حرب تموز 2006 على الأراضي اللبنانية حيث قلب المعادلة وثبت مبدأ الرد بالمثل في أي صراع مع الكيان الإسرائيلي.
ولكن حزب الله المنتصر على اسرائيل في جنوب لبنان وكاسر مخططاتها في سوريا، تحد قدرته في التحرك المباشر على الأراضي الفلسطينية وتبقى ضمن إطار الداعم للقوى الوطنية الفلسطينية سياسيا ولوجستيا، مما يجعل قدرته على تغيير مسار الصراع داخل فلسطين المحتلة محدودة، إلا إذا قرر الحزب وحلفاؤه الدخول في حرب مباشرة مع العدو الإسرائيلي. وهنا السؤال: ماذا بعد الخطوات التي دعى اليها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله من مظاهرات وتحركات عربية وإسلامية ودولية وصولا إلى انتفاضة الساحة الفلسطينية؟
موقف السلطة الفلسطينية من الولايات المتحدة الأميركية عبر قطع الاتصال معها جيد ولكن غير كاف ولا يقدم او يؤخر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ما لم يستتبع بموقف فلسطيني جامع يعري الدول العربية المتآمرة على الفلسطينيين أمام شعوبها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ومصر، حيث تظهر التقارير يوما بعد يوم مدى تورطهما بتغطية القرار الأميركي عربيا ومنع الجامعة العربية من اتخاذ أي قرار فعال ضد اسرائيل والولايات المتحدة.
ان صدور موقف فلسطيني جامع يشير إلى الدول العربية المتواطئة مع المحتل يفتح الباب واسعا امام التحركات الشعبية وصولا إلى تغييرات جذرية في الحكم والأحزاب الحاكمة في هذه الدول ويعريها أخلاقيا ودينيا ووطنيا أمام الشعوب العربية.
من جهة أخرى نرى سوريا والعراق اتخذتا موقفا مشرفا من قضية القدس ولكن انهماكهما بصراعاتهما الداخلية رغم تعافيهما بجزء كبير منها يحد من قدرتهما على تغيير مسار الصراع، اقله، بالوقت الحالي. يبقى لبنان الحاضن للمقاومة الإسلامية والوطنية التي غيرت المعادلات في الشرق منذ سطوع نجمها والتي أكدت على لسان أمينها العام في مقابلته مع محطة «الميادين» مع الإعلامي سامي كليب القدرة على تحرير القدس والدخول إليها في أيامنا هذه. وننتظر أن توضح المقاومة اللبنانية بعلميتها وموضوعيتها المعهودة عما نقله الإعلامي كليب عن لسان السيد نصرالله في العشاء الذي تلى المقابلة التلفزيونية عن المعطيات والعوامل التي تخول حزب الله ومحور المقاومة من وعد الشعوب العربية وأبناء المشرق العربي من مسيحيين ومسلمين باسترجاع قدس الأقداس، مدينة القدس الفلسطينية المشرقية.