تلك اللحظة السحرية التي التقى فيها الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري...
آنذاك لم يكن الرئيس سعد الحريري وحده أمام أزمة وجودية. الجمهورية كانت أمام أزمة وجودية. واذ كان «حزب الله» أول من تنبّه الى خفايا السيناريو، أدى التعاون بين الرئاستين الأولى والثانية الى انقاذ الجمهورية من الخطة التي وضعها ثامر السبهان، بكل تلك البداوة، بالتنسيق مع جهات محلية، وكان يمكن أن تفضي الى الزلزال.
الآن، حرب داحس والغبراء بين القصرين. اشكالية سياسية أم مخالفة دستورية؟ نحن ضد المنطق الذي يقول بانتفاء الكيمياء بين الرجلين (ألم تكن هناك أهوال بين الجنرال عون والشيخ سعد؟). اللعبة السياسية، بكل تعقيداتها، لا تقوم على صراع الأمزجة، الصراع الميكانيكي الذي غالباً مايكون الصراع السيزيفي، وانما على صراع الآراء، وربما على صراع الاستراتيجيات. حتماً...صراع الرؤى.
كان ادمون رباط يدعو الى «القليل من الفقه في السياسة». الفقه الذي حول الأديان الى ايديولوجيات حديدية أو الى ايديولوجيات غابرة، قد يحوّل السياسات الى مدخل احتفالي الى الحرب الأهلية.
هناك اتفاق الطائف بنصوصه الملتبسة، أحياناً بنصوصه الهجينة. المادة 95 من الدستور التي تقضي بتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية لا تدع مجالاً للشك في أن الاتفاق كان بمثابة وثيقة لادارة مرحلة انتقالية تغتسل فيها الأيدي، كما الأدمغة، من التداعيات التراجيدية للحرب.
بعد ذلك يأتي بناء الجمهورية الثالثة. لا وصاية «روحية» على الدولة. المواطنة بالمفهوم الحديث والخلاق بدل التقاطع بيت اللوثة القبلية واللوثة الطائفية. باقتضاب، الخروج من عباءة القرن التاسع عشر.
كلام لامنطقي ولاعقلاني اذا ما ظننا أن بامكان لبنان أن ينتقل من حال اللوياجيرغا الى حال الدولة. الديكتاتوريات، التوتاليتاريات، بكل أبعادها اللاهوتية (الكل يحكم بتفويض الهي)، تحدق بنا من كل حدب وصوب. الا اذا كان هناك من سبيل لنقل الجمهورية الى المريخ.
كل النصوص، كل السياسات، كل المواقف، عندنا، ملتبسة. بعد ثلاثة عقود على اتفاق الطائف، نبدو أقرب الى الافتراق، بل والصدام، منا الى التلاقي، بل والتفاعل.
بين المرجعيات الروحية (نظام ديمقراطي أم تيوقراطي؟) من يرى في المادة 95 من الدستور مدخلاً الى احداث تخلخل دراماتيكي في الخارطة الفسيفسائية، في حين أن مهمة الهيئة ارساء قواعد ديناميكية للخروج من تورا بورا الاسلامية وتورا بورا المسيحية على السواء.
في قصر بعبدا،  رئيس للجمهورية لا مجال للتشكيك بقوته، وبنزاهته، وبرغبته في تنظيف الجمهورية من الآفات التي لا تهدد المعايير الفلسفية للدولة، وانما البنية الوجودية للدولة.
وفي قصر عين التينة، رجل لا يستطيع أحد التشكيك بحنكته السياسية، وبدوره المحوري في اللحظات المصيرية. لا نتصور، وكما يشاع، أن فكرة محاولة التفاف الرئيس ميشال عون على الرئيس نبيه بري في انتخابات رئاسة المجلس المقبلة يمكن أن تخطر في بال الجنرال. الرجل ليس من الطراز الذي يستسيغ العبث السياسي والأخلاقي.
نعلم أن الانتقال من فديرالية الطوائف، في الظروف الراهنة، الى الدولة الحديثة، مستحيل. كما نعلم أن ما يسعى اليه البعض لدى دوائر أميركية، وأوروبية، في اتجاه الفديرالية السياسية (والدستورية) يعني خراب لبنان.
لبنان، والى اشعار آخر، تحت مظلة الستاتيكو. الانكليز يقولون ان لعبة الخرائط لا تزال «شغّالة»، وأن لا حدود مقدسة في المنطقة. ولكن أليس هناك من آليات محددة لدى القيادات الحزبية لضبط المحازبين الذين تحكمهم جاذبية الأقبية، والذين يستخدمون مواقع التواصل للتأجيج الطائفي والسياسي ؟
الا اذا كان هناك من يحترف ثقافة الأفاعي اعتقاداً منه أن الاثارة الطائفية هي الطريق الى الأعالي.
التراشق عبر مواقع التواصل لامس حدود الفضيحة. لا دولة بل غابة من الغرائز، ويمكن أن يشعلها عود ثقاب. اذاً، النفخ في الأبواق (ولتسقط أسوار الجمهورية)، والنفخ في الرؤوس (ولتكن لعبة الحرائق).
لماذا لايكرر ميشال عون ونبيه بري تجربة جورج كليمنصو وريمون بوانكاريه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى؟
أمام تلك الأهوال، بعنفوان كلاهما تراجع. لا شيء فوق فرنسا. ليكن عندنا.. لا شيء فوق لبنان!