دخلت معراب العتمة السياسية في 4 تشرين الثاني تاريخ استدعاء سعد الحريري الى الرياض التي سببت خلط اوراق سياسية كثيرة، فتحولت القوات الى هدف سياسي صب فيه اخصامها واصدقائها راجمات صاروخية كادت تدمر قلعة معراب فيما فرضت عليها ما يشبه العزلة السياسية فغابت عنها وجوه المستقبل وساير التيار الوطني الحر الذي تضامن مع حليفه الأزرق موجة المقاطعة التي بدأت اصلاً قبل حدث السعودية بخلاف على طاولة مجلس الوزراء بين وزراء التيار والقوات. لكن معراب عادت فجأة الى الضوء بحيث تحولت في يوم واحد الى نقطة للتلاقي بعد القطيعة فزارها موفدي النائب وليد جنبلاط، ونواب التيار الوطني الحر في مهمة تمتين ووصل ما كاد ينقطع، في حين ان الزيارة الأبرز كانت للوزير غطاس خوري الذي ارتبط اسمه في مرحلة غياب الحريري بعملية التحضير للهجوم على معراب قبل ان تحصل التحولات السياسية الاخيرة وتعود المياه الى مجاريها الطبيعية بين حلفاء الامس .
فالأرجح ان زيارة خوري هي التي استقطبت الانظاربسبب الغيمة السوداء في افق العلاقة منذ اكثر من شهرين حيث ان خوري حمل معه خريطة طريق تبدأ اولاً بتبريد الاجواء وصولاً الى تثبيت التفاهم السياسي الذي كان قائماً حيث ان جعجع وفق المعلومات ركز على مسألة العودة الى ثوابت 14 آذار بمشروعها السياسي. وفي حين ان جعجع ينتظر اجوبة من الحريري هذه المرة بانعكاس الصورة حيث كان الحريري يطالب في ما مضى بتوضيحات من رئيس القوات، فان القوات بحسب اوساطها لا تتوقف عند فكرة اللقاء بحد ذاته فقط بل المطلوب الدخول في صلب التفاهمات السياسية التي نشأت عليها العلاقة بين القوات والمستقبل، وبالتالي فان لقاء جعجع الحريري ليس تفصيلاً مهماً في حال لم يتم الغوص في التفاهمات وطريقة ادارة الازمة والعمل الحكومي وحيث ان وزير الثقافة وفق ما تسرب من اللقاء فوجىء بارتفاع سقف مطالب القوات بحيث انتقلت الى موقع «اللا مبالي» تقريباً وكأنها بدت تطالب بتعويضات معنوية عما رتبته عليها تداعيات ازمة الرياض.
اللقاء الاكثر ايجابياً في يوم الخميس الطويل في معراب كان مع الوفد الاشتراكي لتثبيت التحالف بين الفريقين وعزله عن السياسة والكباشات الدائرة وعدم الربط بين الملف الانتخابي وما يحصل على خط العلاقات السياسية خصوصاً ان العلاقة مع الاشتراكي لم تتأثر باي ملف مؤخرا بل حافظت على مستواها السابق، فالاشتراكي كان حاضراً في في احتفال اعلان المرشح عن المقعد الارثوذكسي في عاليه في اشارة لا لبس فيها الى تحالف الاشتراكي والقوات في انتخابات الجبل تثبيتاً للمصالحة وحيث بدا ثابتاً ان تدهور العلاقة بين الحريري وجعجع لم تخلف تداعيات على صعيد وقف التحالف بين جنبلاط جعجع.
اما لقاء القوات والتيار الوطني الحر في معراب فتصفه اوساط القوات بلقاء الاخوة الذين يختلفون صباحاً ومساء لكن المهم ان لا ينهار سقف المنزل فوق رؤوسهم، وقد سجلت مساعي وسطاء الازمة بين القوات والتيارخطوات متقدمة في اعادة لملمة التفاهم بين القوات والتيار، وكان النائب ابراهيم كنعان حمل رسالة الى جعجع مفادها العودة الى مرحلة العهد الذهبي واجراء مراجعة شاملة للمرحلة السابقة في اسباب تدهور العلاقة وانحدارها الى هذا المستوى.
وفيما تتفاوت التقديرات والتساؤلات الى اين ستذهب القوات في تحالفاتها فان التوقعات بان يكون التحالف مع المستقبل هو الارجح بعد اجراء المصالحة الشاملة مع الحريري، فالقوات والتيار الوطني الحر يتشاركان الصحن الانتخابي نفسه في المناطق المسيحية في حين ان التحالف مع المستقبل يبدو في الحسابات الانتخابية افضل حالاً، وقد بات واضحاً التدخل السعودي على خط الانتخابات ومحاولة السعودية لملمة ما تبقى من شتات فريق 14 آذار، لكن الدخول السعودي في موضوع الانتخابات لا يعني ان فريق 14 آذار سيخوض الانتخابات في لوائح مشتركة خصوصاً ان رئيس الحكومة توصل الى وضع تحالفات شبه نهائية مع التيار الوطني الحر في مناطق محددة ، فالحريري قد يجد نفسه ملزماً على توزيع تحالفاته والجمع بين التيار الوطني الحر والقوات والافتراق عن احدهما في نقاط ومناطق محددة، وسمير جعجع أنجز شبه اتفاقات انتخابية مع شخصيات في 14 آذار لا تنسجم اليوم في السياسة وفي الانتخابات مع المستقبل، وقد بات واضحاً ان سلسلة لقاءات حصلت بين الكتائب والقوات في مرحلة الازمة يقال انها حققت تقدماً واختراقاً يمهد لتفاهم انتخابي محتمل بين الكتائب والقوات في عدد من الدوائر.
المؤكد اليوم ان غيمة الصيف عبرت فوق معراب،واذا كانت القوات خرجت من عزلة حاول البعض فرضها عليها بحسب اوساط قواتية فلان عزل القوات ثبت انه محاولة فاشلة، فازمة السعودية ثبت انه ساهمت في تقويت القوات في الشارع المسيحي بدل اضعافها، والتجارب اثبتت في تاريخ القوات القديم والحديث ان القوات صمدت في ظروف اكثر قساوة وهي تملك منظومة التعايش مع الخضات والظروف، والقوات منذ تأسيسها اعتمدت على قيادتها وعلى كفاءتها وقدراتها وليس على علاقاتها الشخصية وتحالفاتها وفي هذا الاطار تمكنت من تخطي الفيلم السعودي رغم الحملة السياسية التي شنت عليها.
في كل الاحوال فان معراب رغم كل الايجابيات وتحولها الى نقطة استقطاب فهي لا تزل تدرس خياراتها الانتخابية خصوصاً انها اعلنت تقريباً كل مرشحيها في الدوائر لكنها تتريث في التعبير عن خطواتها بانتظار معرفة معرفة ما يريده سعد الحريري في ظل حالة الغموض في صدد ما سيقرره الحريري انتخابياً حيث يثبت بان الحريري في حالة ضياع انتخابي بين حلفائها وبين محاولات السعودية الاخيرة للم شمل 14 آذار انتخابياً ولو بطريقة غير مكشوفة، وقد كان لافتاً في لقاء جعجع والنائب اكرم شهيب ما قاله الأخيرلجعجع «متل ما انتم ضايعين مع سعد، نحن كمان ضايعين».