من المؤكد أنّ مؤتمر الحوار الوطني في سوريا قد حقّق أهدافه لجهة نقل المسار السياسي نقلة نوعية، مع التأكيد أنّ سوتشي ليس هو الحل ولكنه سيشكل بداية السير على طريق الحل، وهنا لا بد من الإشارة الى اهم نتائج هذا المؤتمر: 


- إنجاز تموضع جديد ضمّ الى الشرائح التي وقفت مع الدولة سواء القوى المنبثقة من منظومة الحكم، او تلك التي عارضته وبقيت في الداخل ومنها من غادر سوريا وعاد بعد تبيانه مخاطر التبعية، وقوى أخرى عارضت من الخارج وآثَرت أخيرًا الإنخراط في مسار الحوار للتأسيس لسوريا ما بعد انتهاء الحرب.


- انعقاد المؤتمر بعيدًا عن الضجيج والتهويل الأميركي واسقاطه لما سُمّي بوثيقة واشنطن، والتي حملت في طياتها كل ما من شأنه الذهاب باتجاه تقسيم سوريا وتحقيق انتصار سياسي عجزت اميركا وحلفاؤها وادواتها عن تحقيقه في الميدان.


- التحولات الهامّة في موقف العشائر العربية من خلال حضور معظمها للمؤتمر ودعوة ابنائها للخروج من تشكيلات "قسد" والتطوع في صفوف الجيش السوري، وخصوصًا في الشمال الشرقي لسوريا وهو ما سيشكل متغيرات كبيرة ترتبط بقوة "قسد" والإحتلال الأميركي هناك.


- انكشاف كامل لتركيا من خلال رفض مجموعاتها المشاركة في المؤتمر بذريعة وجود العلم السوري على شعارات المؤتمر، وهو ما يؤكد تبعية هذه المجموعات.


- استعادة المؤتمر مجمل الوضع من الضغوطات الدولية والإقليمية ووضع الكرة في ملعب السوريين انفسهم.


- انجاز هام لروسيا وايران عبر الديبلوماسية النشطة والهادئة، بالتنسيق مع الديبلوماسية السورية العريقة والمعروفة بالنفس الطويل والصبر وادارة الصراع والأزمات على حافة الهاوية.


- التأكيد على الثوابت والمبادئ الأساسية في حق الشعب السوري في تقرير مصيره ومساره عبر الآليات الديموقراطية بعيدًا عن الضغوط، واجراء التعديلات الدستورية الملائمة والمناسبة والضرورية واجراء الإستفتاء حولها عندما يتم الإتفاق على تعديلات دستورية.


- التأكيد على علمانية الدولة ومساواة المواطنين بعيدًا عن الطائفية والمذهبية، وهو من البنود الهامّة التي تُبرز وجه سوريا التاريخي والمستقبلي.


- الإجماع الكبير على ضرورة استكمال محاربة الإرهاب وتحقيق الهزيمة فيه عبر دعم وحدة الجيش كمؤسسة جامعة وضامنة للأمن والحدود.

انطلاقًا من هذه البنود، لا بد من الرجوع الى تعريف الحرب الحاصلة وهل هي الحرب في سوريا ام على سوريا؟ وهو التعريف الذي يأخذ الأمور باتجاهين مختلفين.


فإن كانت حربًا حاصلة في سوريا، فهي اذن حرب اهلية داخلية لأسباب داخلية ودستورية واقتصادية ومطلبية وكل ما يرتبط بظروف ودواعي الحرب الأهلية، وهو ما تحاول قوى الهجمة منذ اطلاق الحرب تأكيده وربطه بـ"النظام" كحالة اجرامية وضع نفسه بمواجهة شعبه بشكل ظالم وغير عادل، والى كل ما سيق من اتهامات وذرائع ومبررات بما فيها تصوير الحرب على انها حرب طائفية وعرقية وما الى ذلك.

وان كانت حربًا على سوريا، فالأمر مختلف اختلافًا جذريًا حيث الدوافع مرتبطة بإخضاع سوريا واحتوائها ونهب ثرواتها عبر تفتيتها وتقسيمها وابعاد المخاطر عن الكيان الصهيوني، حيث يمكن الإختصار في هذا الجانب والقول ان هدف الحرب على سوريا هو هدف مزدوج يتمثل في الأطماع بالثروات وضرب قدرات الجيش السوري عبر تفتيته وانهاء قدراته.

بناءً على ما حصل في سوتشي وما سيليه من انشاء للجان مرتبطة بالبنود الصادرة في البيان الختامي للمؤتمر بالتوازي مع استكمال الجيش عملياته العسكرية، فمن المؤكد ان مسارات الحوار ستستمر بين شرائح الشعب السوري المختلفة تحت سقف الدولة الراعية والجامعة وسيغيب من غيبوا انفسهم عن المؤتمر ويتحوّلون الى مشردين في اصقاع الدنيا بعد انتهاء المهمات الموكلة اليهم من المشغلين الذين سيدركون عاجلًا او آجلًا انتصار سوريا وعقم الإستمرار في مواجهتها، رغم الإصرار الأميركي على الضغط من خلال بعض الأدوات المتبقية والتي ستعرف انها مجرد عدّة للشغل سيرميها الأميركي عندما تنتفي الحاجة اليها.


عمر معربوني: كاتب وباحث في الشؤون العسكرية.

بيروت برس