القاعدة الذهبية التي بتنا نحفظها عن ظهر قلب منذ ان بدأت الازمة قبل سبع سنوات تقول بأنه كلما شعرت الولايات المتحدة الامريكية بتعاظم هزيمة مشروعها في سورية تلجأ الى ورقة الأسلحة الكيماوية كذريعة لشن هجوم على اهداف للجيش العربي السوري. 


اليوم الجمعة، اعلن وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس للصحافيين ان بلاده تخشى ان يكون غاز السارين جرى استخدامه في الآونة الأخيرة في سورية.. وقال “لقد جرى استخدام هذا الغاز مرات عدة في هجمات في سورية، ولا توجد أي ادلة في الوقت الراهن تثبت هذه الفرضية”.

قبل تصريحات وزير الدفاع هذه، اعلن مسؤول امريكي لم يرغب في ذكر اسمه، “ان نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتنظيم “الدولة الإسلامية” يواصلان استخدام الأسلحة الكيماوية وان الرئيس دونالد ترامب لا يستبعد أي خيار.. وان استخدام القوة العسكرية يتم بحثه على الدوام”.

خطورة هذه التصريحات انها تضع السلطة السوريو وتنظيم “الدولة الإسلامية” في كفة واحدة، وتوجه اليهما التهمة نفسها، وتبريء جميع الفصائل الأخرى منها، ناهيك عن استخدام هذه الأسلحة.

***

لا نعتقد ان البحث عن ادلة سيطول، لسبب بسيط وهو اننا تعودنا دائما ان توجه الإدارة الامريكية الاتهامات ثم “تفبرك” الأدلة الجاهزة في جعبتها، ومعها شهادات الخبراء “الدوليين”، ونحن لا نتحدث هنا عن سورية وحدها وانما عن العراق أيضا، والامثلة عديدة، ولا نريد إضاعة الوقت في تكرار سردها.

الولايات المتحدة تبنت “سيناريو” مماثلا في ابريل (نيسان) الماضي عندما قصفت مطار الشعيرات العسكري قرب حمص بـ 59 صاروخ توماهوك، ردا على ما زعمته حول قصف طائرة تابعة لسلاح الجو السوري مدينة شيخون بقنابل تحتوي غاز السارين، مما أدى الى مقتل مئة شخص، ولا نستبعد ان يتكرر السيناريو نفسه في أي مكان آخر حددته القيادة العسكرية الامريكية مسبقا.

في المرة السابقة كانت مدينة شيخون، وهذه المرة يجري الحديث عن الغوطة الشرقية التي تسيطر على انحاء عديدة منها فصائل مسلحة تتقاتل فيما بينها على مراكز النفوذ، وتستخدمها بين الحين والآخر كمنصة لاطلاق صواريخ وقذائف مدفعية على العاصمة دمشق.

السؤال المطروح هو حول الأسباب التي تدفع القوات السورية لاستخدام أسلحة كيماوية في هذه المنطقة، وهي تعرف جيدا ان هذا الاستخدام ربما يؤدي الى رد فعل انتقامي امريكي، وفي مثل هذا التوقيت الذي تسير فيه الأمور في معظم جبهات القتال لصالح الحكومة السورية وحلفائها، وتقترب سورية كدولة من التعافي وتسير في خطوات ثابتة نحو الاستقرار وإعادة الاعمار.

فاذا كان المصدر الأمريكي قد اعترف بأن “الدولة الإسلامية” تستخدم الأسلحة الكيماوية أيضا، فلماذا لا تكون فصائل مسلحة معارضة “صغيرة” مثلا، تملك مخزونا منها، وتستخدمها في الغوطة الشرقية بإيعاز امريكي لتوفير الذرائع لهجمات انتقامية ضد اهداف عسكرية تابعة للسلطة في دمشق؟

***

أمريكا التي تملك أجهزة استخبارات ذائعة السيط مثل الـ”سي أي ايه”، تحتل المرتبة الأولى في التآمر على مستوى العالم بأسره، ومشهورة بغرفها السوداء التي تطبخ هذه المؤامرات بشكل محكم ضد سورية والعراق وليبيا، واي دولة عربية تخرج عن طوعها، ألم “تفبرك” الثورة الليبية، وندم الرئيس السابق باراك أوباما على هذه الخطيئة علنا؟ ألم تبدأ التحضيرات لتفجير الأوضاع في سورية قبل ثلاثة أعوام، سياسيا واعلاميا وعسكريا، وهو ما اعترف به عدد من سفرائها وحلفائها في المنطقة؟ ألم تفبرك اكذوبة اسلحة الدمار الشامل في العراق، ودست رجال مخابراتها وسط المفتشين الدوليين، وسكوت ريترر الدليل الأكبر؟

في ظل الهزائم التي مني بها المشروع الأمريكي في سورية لصالح “الغريم” الروسي نحن في انتظار ضربة أمريكية صاروخية يائسة في “مكان ما” على الارض السورية في الايام او الاسابيع المقبلة، وتحديدا فور “تجهيز″ الأدلة، وهي عملية سهلة ومضمونة على أي حال، والمتطوعون كثر.

أمريكا حاولت “تخريب” مؤتمر سوتشي للحوار الشعبي السوري وفشلت، وبذلت جهودا كبيرة لمنع تقدم قوات الجيش السوري في ادلب، وفشلت، وحاولت ان تمنع الصدام بين حليفها التركي القديم، والكردي الجديد وفشلت، ولم يبق امامها غير ان تحاول اثبات وجودها، وتحويل الأنظار عن هزائمها السياسية والعسكرية بضربة جديدة في “مكان ما” في سورية” وستفشل أيضا.. والأيام بيننا.



عبد الباري عطوان

رأي اليوم