الكرة الأرضية عادت، كما في الأسطورة الأوروبية، لتقف على قرن ثور...

أميركيون يرددون الآن «انه كيم جونغ ـ أون في البيت الأبيض». النرجسية قد تكون كوميدية في بيونغ يانغ. في واشنطن، النرجسية قاتلة. ها أنه يطلب من رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزف مانفورد تنظيم عرض عسكري يظهر فيه مدى الجبروت الأميركي.

عالم النفس الشهير كارل يونغ رأى أن هناك شخصيات محورية في التاريخ تماهت مع أعدائها. هذا ينطبق على دونالد ترامب. الرجل الذي أطلق مفهوماً استراتيجياً صارخاً لـ «العقيدة النووشية» يرغب في الوقوف على المنصة، كما يقف الزعيم الكوري الشمالي، ويستعرض الصواريخ العابرة للقارات، وقاذفات الشبح، وجنود المارينز الذين يرتدون ملابس أشبه ما تكون بملابس المقاتلين الافتراضيين في حرب الكواكب.

انه ملك أميركا. بعض أركان التشريع عشية الاستقلال,وعلى رأسهم الكسندر هاميلتون، جيمس مونرو، روفوس كينغ، ناتانييل فورهان، عرضوا على جورج واشنطن تتويجه ملكاً. رفض. توجهوا الى الأمير البروسي هنري، شقيق الملك فريدريك الثاني، غير أن الرياح كرست النظام الجمهوري.

ربما هذا ما أوحى للفرنسي كلود جوليان الذي وضع موسوعة حول الأمبراطورية الأميركية، بالقول ان من يقود تلك الفسيفساء المترامية، لا بد أن يشعر بأنه ملك ملوك العالم.

معلقون ورأوا في دونالد ترامب الرجل «الذي يحترف حراثة الغباء». قالوا... «أنظروا الى نائبه مايك بنس الذي أقل من أن يكون ظلاً بوجهه الذي يخلو من أي شيء الا من تبعية الكلب لسيده».

 كيف يمكن أن ينطبق ذلك على وزير الدفاع جيمس ماتيس،

بالوجه الفولاذي، وبالسيرة العسكرية الصاخبة. هذا الرجل قال «ان وجودنا في أفغانستان لا يرمي الى السيطرة، وانما الى ارغام حركة «طالبان» على التفاوض توصلاً لتسوية سياسية تحول دون تكرار اعتداءات 11 أيلول 2001 ».

هل تتصورون أن عصا الفيلد ماريشال عمر حسن البشير، بعبقريته العسكرية، يمكن أن تتفوه بم تفوه به سيد البنتاغون؟ نحو 17 عاماً من القتال ؟ عشرات الآلاف من الضباط والجنود. عشرات آلاف الغارات (احداها كانت بأم القنابل يوـ 43 ـ بي في ولاية ننغرهار)، وعشرات آلاف القتلى والجرحى، وأكثر من تريليوني دولار...من أجل التفاوض !

الصورة تنسحب تلقائياً على سوريا. الدبابات الأميركية هناك ليست من أجل «اللحظة الاسرائيلية» ولا من أجل النفط، والأغراض الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية، وانما من أجل القتال التفاوضي ضد «داعش». هل من حدود لهذه البهلوانيات السياسية ؟

ثمة مجــموعة مرتــزقة وتدعى «قوات سوريا الديمقراطية». لايختلفون عن منصة الرياض، وعن منصة اسطنبول. حثالة استخباراتية وتلقى في صــاديق القــمامة. حدث هذا لنغوين فان ثيو ورجاله في فيتنام. الأجندة الأميركية حافلة بذلك الطراز من الرعاع.

ارتجاج دراماتيكي في الكرة الأرضية. فريدريك ويسلو، الباحث في المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية، يقول «كما لو أننا عشية الحرب العالمية الثانية». دونالد ترامب يعتقد أن التاريخ يتقيأ نفسه بطريق بلهاء. مثلما استدرجت الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي الى سباق التسلح، فكان أن انهارت الأمبراطورية الشيوعية، ها هو يستدرج فلاديمير بوتين الى اللعبة اياها.

تحديث التكنولوجيا النووية يحتاج الى عشرات المليارات. الاقتصاد الروسي الذي يواجه سلسلة طويلة من العقوبات، والعقبات، هش ومرهق. ترامب لا يدري أن القومية الروسية، بديناميكيتها التاريخية (لاحظوا ما جرى في ستالينغراد) حلت محل تلك الايديولوجيا الخشبية التي بقيت تراوح مكانها لسبعة عقود الى أن تعفنت وتناثرت.

الباحثون الغربيون البعيدون، بشكل أو بآخر، عن لوثة الثقافة البيضاء، يرثون لحالنا. دونالد ترامب يحاول ادارة الشرق الأوسط بعقلية أي اله أغريقي ينفث النيران في كل الاتجاهات. التسوية في سوريا ممنوعة. التسوية في العراق ممنوعة. التسوية في اليمن ممنوعة.

ذلك الكاوبوي الذي يقف عند بوابة الدم لن يتوقف عن اللعبة المجنونة. ثمة من يعرف كيف يرغمه على التوقف...



نبيه البرجي