في "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرّي مقطع مثير يترجم الحال الذي يعيشه الوطن. يقول المعرّي بأنّ "مرافق السلطان رأى فيلسوفاً يجمع عشباً ليتخذه طعاماً له ولعائلته، فقال له: لو وضعتَ نفسك في خدمة الملوك، لما اضطررت لأكل الأعشاب. فأجابه الفيلسوف: لو أكلتَ الأعشاب لاستغنيتَ عن خدمة الملوك." 

هذا ما نبحث في زمننا أيضاً، أن نعيش باستقلالية في منازلنا، أن نعتمد على أنفسنا بدلاً من "انتخاب السلاطين" الذين يبحثون عن الأصوات.

في هذه الفترة ومن يتنقل على الطرقات الأساسية في لبنان، وتحديداً في العاصمة وضواحيها، يلاحظ حركة السياسيين على الطرقات والمواكبات "المجنونة" لأن الوقت حان لتذكير المواطنين في هذه البلدة أو ذاك، أو في هذه المنطقة، أن الإنتخابات اقتربت... هذه الفترة يكون السياسيون "أصحاب الواجبات" يبحثون عن عرس أو مأتم ليقوموا بالواجب لا ل"سواد العيون" بل ل"جمع الأصوات" والتحضير لتبييض الوجوه وكسب القلوب.

والمضحك، أن الناس تخبر عن "أخلاق" هذا النائب أو ذاك، وتقول في العلن كم هو شهم ومتواضع فقد أتى من دون إعلامه... وتتفاخر بزيارته... وهو لم يأت إلا لمصلحته الشخصية ولتحقيق أهدافه لا غير.

لم نعد أغناماً، على أمل أن يكون الغير بهذا التفكير، لا نريد أن نضرب بعرض الحائط مرّة جديدة... لا تجدّدوا الهويات، ولا تنتخبوا، ولا تقبلوا الدّعم من هذا "السلطان" أو ذاك... فالدعم سيأتي وحده عندما يعرف الشخص من ينتخب وعندما يقوم بالتغيير الذي نحلم به منذ سنوات.

طريقة قيادة السيارات والمواكبة المجنونة خير دليل على أخلاق السياسي وعلى الشخص الذي يعمل لديه، ألم تتعرّض يوماً ل"غلاظة" هذه السيارات وأصواتها الجهنّمية التي تفقدك السيطرة أثناء القيادة وتكاد أن ترمي بك على حافة الطريق، لأن السلطان مستعجل، فهذه المرحلة هي مرحلة "السباق الإنتخابي"؟، وعليك أن لا تنسى ذلك، صفّق له، فيما هو يصفعك بطريقة غير مباشرة.

كفى جهلاً، وكفى تبعيّة لهذا الحزب أو ذاك، كفى السير كالأغنام وراء الراعي، وليتهم يشبهون الرعاة الذين يعرفون حدود الأراضي، ويعاقبون الخراف في حال حاولوا الإقتراب من أملاك الغير!

نحن بحاجة إلى التغيير، التغيير الذي لم يشهده التاريخ أبداً، التغيير الجذري الإيجابي الذي يأتي بحكّام يليقون بمقامات "الحكماء" لا "السلاطين"، نريد الدعم الفكري، ونرفض الدعم المادي، لأن المال هو الذي أوصلنا إلى هذه المراحل الفاسدة والقاهرة والمظلمة.

حان الوقت للتحرّر من زريبة الراعي الذي يقودنا نحو الفساد، حان الوقت لنعيش في دولة ملكنا دولة تعمل لنا ولمصالحنا، تطعمنا من تعب الجبين لا من المساعدات لأن التقصير في الواجبات هو سبب الفقر والتراجع!