بولا مراد



لم يكن من المنطقي عقد الكثير من الآمال على اللقاءين اللذين عُقدا في القصر الجمهوري في بعبدا خلال الأسبوع الماضي، وضما رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى رئيس المجلس النيابي نبيه بري والحكومة سعد الحريري. فعلى الرغم من الرمزية التي حملاها لجهة تخطي الأزمة التي أوجدها «مرسوم الاقدمية» ومن بعده الفيديو المسرب لوزير الخارجية جبران باسيل، الا انّهما بقيا في اطار ترجمة تفاهم القوى الأساسية على «ربط النزاع» لتمرير مرحلة الاستعداد للانتخابات النيابية بأقل الأضرار الممكن أن تنتج جراء احتدام الحملات الانتخابية.
لكن التوقعات المحدودة من لقاءات بعبدا، لا تنطبق على اللقاء الذي جمع الرئيسين بري والحريري يوم الاثنين في عين التينة، باعتبار انّه ذهب أبعد من المصالحة «وغسل القلوب» باتجاه تأمين الأرضية المناسبة لمواصلة المباحثات والنقاشات الحاصلة بين الماكينات الانتخابية التابعة لـ«تيار المستقبل» ولحركة «أمل» والتي بدأت، بحسب مصادر مطلعة، منذ فترة التنسيق في ما بينها للتعاون الانتخابي في أكثر من دائرة، بحيث يعطي «المستقبل» أصواته لـ«الحركة» لدعمها في بعض الدوائر حيث لوائح الثنائي الشيعي مهددة بالخرق، مقابل أن تدعم «الحركة» التيار الأزرق في عدد من الدوائر التي يرزح فيها تحت وضع صعب نتيجة تنامي عدد أخصامه.
ويبدو أن عتب الرئيس بري، والذي بلغ مستويات متقدمة جدا في المرحلة الماضية لامست حد الامتعاض الشديد من أداء الحريري وبخاصة بعد توقيعه مرسوم الأقدمية، وهو ما اعتبرته «عين التينة» أكبر من خطأ وأقرب الى الخطيئة، بدأ يتلاشى بعيد ايجاد مخرج لأزمة المرسوم حفظت ماء وجه الجميع. وفي هذا السياق، أكدت مصادر «أمل» أنّه لم يكن يوما بين رئيسي الحكومة والبرلمان «عداء مستحكم، بل خلاف تم تخطيه»، لافتة الى ان «اللقاء الذي طال انتظاره وجمع بري والحريري يوم الاثنين في عين التينة وضع كل التساؤلات والملفات الخلافية على الطاولة، وقد تمت مصارحة بينهما ومصالحة، علما ان العتب كان من جهة الرئيس بري وحده، وقد عبّر الرئيس الحريري عن تفهمه التام للموقف الذي اتخذه رئيس البرلمان منه في المرحلة الماضية». وشددت مصادر «أمل» على أن «لا شيء يمنع التعاون سواء السياسي او الانتخابي بيننا من منطلق أن المياه عادت الى حد كبير الى مجاريها، وان كان من المبكر الحديث عن تحالف انتخابي او حتى عن مجرد تبادل أصوات في دوائر محددة».
ولعل ما يعيق الاعلان عن تحالف صريح وواضح ما بين «أمل» و«المستقبل» في الاستحقاق النيابي المقبل ويرفع احتمالات التنسيق المحدود وغير المعلن، هو ارتباط كل طرف منهما بحليف أعلن مسبقا انّه سيخوض المعركة الى جانبه. فالحلف الاستراتيجي الذي يجمع بري بحزب الله تحت مسمى «الثنائية الشيعية» يجعل من المستحيل قيام تحالف ثلاثي يجمع هذا الثنائي بـ»المستقبل» وبخاصة وان الاخير أعلن صراحة قبل أشهر رفضه المطلق للتعاون او التنسيق مع حزب الله في أي من الدوائر، وقد لاقى حزب الله موقف «المستقبل» هذا بموقف متشدد بدا من خلاله حاسما هو الآخر في هذا المجال.
وليس ارتباط بري بحزب الله، حجر العثرة الوحيد في وجه تحالف «المستقبل» - «أمل»، فالحلف السياسي والانتخابي المستجد بين التيار الأزرق و«التيار الوطني الحر»، هو الآخر يعيق انضمام بري الى هذا الحلف او حتى قيام حلف خماسي يضم كل القوى السابق ذكرها. فعلى الرغم من قفز الرئاستين الأولى والثانية مؤخرا فوق الأزمات المتعددة التي واجهتاها، الا ان القلوب لم تصف بشكل نهائي بعد، وسط ترجيحات مصادر معنية ان يتجدد الخلاف بين «أمل» و«الوطني الحر» في اي لحظة، «باعتبار ان المشكلة مع الوزير جبران باسيل لا تزال قائمة ولا يمكن أن تحل بمجرد وساطة الرئيس عون». وتضيف المصادر: «يبدو واضحا من خلال النقاشات الحزبية المستمرة لتشكيل اللوائح، أن بري وباسيل سيبذلان جهدهما لتوجيه لكمات قوية لبعضهما بعضاً في المناطق التي يتمتعون بها ولو بحد أدنى من تأثير من خلال دعم أخصام الطرف الآخر، رغم كل محاولات حزب الله تأدية دور الحكم الذي يسعى لتفادي الاحتكاك المباشر بينهما».
ووفق آخر المعطيات، فان البلاد ستكون كحد أقصى منتصف الشهر المقبل على موعد مع لائحة واضحة للتحالفات المعلنة على ان يتصدرها تحالف عون - الحريري و «أمل» - «المستقبل»، فينضم الى التحالفين الرئيسيين فرقاء آخرون اما علنا وفي دوائر محددة، او من تحت الطاولة وبإطار تنسيق غير معلن بين الماكينات الانتخابية. ولعل التحالفات الأخرى المرتقبة، تحالف «أمل»  - «التقدمي الاشتراكي» و»المستقبل» - «الاشتراكي» كما تحالف «القوات»  - «الوطني الحر» وان كان هذا الأخير لن يكون في كل الدوائر لكنه سيشمل العدد الأكبر منها.
وبانتظار اغلاق ابواب وزارة الداخلية سواء على تقديم الترشيحات الفردية أو على انضمام المرشحين الى لوائح محددة بالاسماء والألوان، من المرجح ان يحتدم بازار الأسماء كما التحالفات على ان يرسو على بر قبل شهرين من موعد الاستحقاق النيابي.