لم أكن متأكدًا في أي وقت كما انا متأكد هذه الأيام أنّ روسيا لن تنتظر الى ما لا نهاية حتى تعود الى ضرب الجماعات الإرهابية بكل مسمياتها، وهو أمر تعتبره روسيا يقينًا وثابتًا في نظرتها وموقفها من هذه الجماعات، لإعتبار بسيط ومعروف وهو أنّ روسيا تعتبر وجودها في سوريا مرتبطًا بأمنها القومي ولا يمكنها الرجوع عن مواقفها بضرورة تحقيق الهزيمة في الجماعات الإرهابية.

هذه السطور القليلة يمكن اعتبارها الإستراتيجيا الثابتة لروسيا بما يتعلق بمحاربة الإرهاب وهزيمته، وهو امر لا لبس فيه وستذهب فيه روسيا الى النهاية.

ولكننا امام سؤال منطقي وطبيعي لا يمكن تجاوزه والقفز عنه، وهو: هل محاربة روسيا للإرهاب في سوريا هو مجمل استراتيجيتها، أو أنّ هناك قضايا أخرى مدرجة على جدول استراتيجية روسيا كدولة عظمى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر التحديات الإقتصادية المتمثلة في تحقيق التوازن اقله في الناتج القومي وحل المشكلات الناتجة عن العقوبات الإقتصادية الأميركية والغربية وواجبات الدولة تجاه مواطنيها، اضافة الى التحديات الأمنية والعسكرية سواء في تحقيق اعلى مستوى من الحصانة الأمنية، وايجاد الوسائل لقضايا عسكرية مختلفة تعمل اميركا على زيادة منسوب الضغط من خلالها على روسيا في القوقاز واوكرانيا ونشر الصواريخ في رومانيا وقريبا في بولندا، وما يمثله الجيش التركي من قوة محتملة لخوض الصراع ضد روسيا في حال اندلاعه، وقضايا أخرى.

في العنوان الرئيسي، لا يمكن تحميل موسكو نتائج مهام على المعني الرئيسي القيام بها، وهو أمر تدركه القيادتان السياسية والعسكرية في سوريا لا بل تجري الأمور ضمن اعلى مستوى من التنسيق اليومي لمجريات الميدان والمسار السياسي والديبلوماسي، علمًا بأنّ القوات الروسية لا تزال وبوتيرة عالية لم تنخفض تقدم الدعم الجوي والمشاركة التقنية المتخصصة للقوات البرية للجيش السوري بمختلف تشكيلاته واسلحته وخصوصًا في ريف حمص الشرقي، وتحرير تدمر والقريتين والعمليات الجارية حاليًا باتجاه مدينة الطبقة (الثورة) تثبت ذلك.

وحتى في حلب واريافها تشير المعطيات والمتابعة اليومية أنّ القوات الجوية الروسية تنفذ عشرات الطلعات يوميًا على مواقع الجماعات المسلحة، وخصوصًا على طريق الكاستيلو الذي بات يشبه بوصف الجماعات المسلحة نفسها طريق جهنم بحيث بات التنقل على مسافات كبيرة من الطريق عملًا فيه الكثير من المخاطرة، وهذا يعني انخفاض قدرة الجماعات المسلحة على ايصال احتياجاتها من الوقود والذخائر الى الأحياء الشرقية في حلب التي تسيطر عليها، واقتصار الأمر على استخدام ما تخزنه هذه الجماعات من وقود وذخائر وما تصنعه في هذه الأحياء، وهو امر لن يطول كثيرًا وستجد هذه الجماعات نفسها في وضع لا تُحسد عليه ابدًا.

هذا مثال على طبيعة الواقع الميداني في حلب والذي ترد عليه الجماعات المسلحة بقصف جنوني للأحياء الغربية لإحداث الرعب، من خلال القتل للضغط على الدولة السورية عبر تخفيض قدرة الصمود لدى المواطنين الذين يتعرضون للقتل وتتعرض ارزاقهم واعمالهم للتوقف.

اما في الريف الغربي والريف الجنوبي، فإنّ الجيش السوري وحلفاءه يقومون بواجبهم في التصدي لهجمات الجماعات المسلحة ويقومون بامتصاص هذه الهجمات وإحداث الكثير من الخسائر في صفوفهم البشرية منها، وتلك المرتبطة بالعتاد والسلاح، وهو بحد ذاته يعتبر انهاكًا لهذه الجماعات واستنزافًا لقدراتها، وعلى الجميع ان يدركوا احد قوانين خوض الحرب وهي اهمية الدفاع في توقيت معين قبل الإنتقال الى الهجوم المضاد، وهو ما سيحصل اولًا واخيرًا ضمن التوقيت المناسب الذي تحدده هيئة العمليات والتخطيط، وهي الجهة التي تعرف تفاصيل قدرات الجيش وحلفائه وقدرات العدو وداعميه وليس الرغبات والأهواء، وهي بالتأكيد رغبات مشروعة ولكن الإستجابة لها عاطفيًا قد تؤدي الى نتائج كارثية. ومن هنا لا بدّ من اعطاء مثال مرتبط بطبيعة الأعمال القتالية للجيش من خلال الضربات الجوية والمدفعية لطريق الكاستيلو، الذي يعتبر التدبير الأمثل للشروع في عملية انهاء وجود الجماعات المسلحة في احياء حلب الشرقية، فلو اختار الجيش خيار اقتحام هذه الأحياء وطريق الكاستيلو يعمل بكامل زخمه فإنّ عملية الإقتحام ستكون صعبة ومكلفة، وهي بالتأكيد تحتاج الى الكثير من القدرات البشرية لصعوبة العمليات القتالية في الأحياء السكنية والشوارع، ومن هنا أتى خيار ضرب خطوط الإمداد القريبة لإحداث الإنهاك والوصول بهذه الجماعات الى خيار من اثنين: الإستسلام او القتال ضمن ظروف معقدة وصعبة عليهم ستجبرهم في النهاية على دفع اثمان كبيرة ستؤدي بالضروة الى هزيمتهم واستسلامهم.

أمّا لماذا تختار روسيا ومعها الحلفاء الإستمرار في سلوك المسار الديبلوماسي الى جانب المسار العسكري، فالجواب هو أنّ معركة اشرس من الميدان تُخاض في المحافل الديبلوماسية وفي الإعلام لشيطنة روسيا وسوريا وايران.

المراقب للتصريحات الروسية خلال الأسبوع الأخير يُدرك ان الأمور وصلت الى خواتيمها، ومن يتذكر كلام جون كيري قبل اسبوع الموجه لجماعاته “المعتدلة” بأنّ عدم الدخول في الهدنة سيكون خطأً استراتيجيًا كبيرًا، وهو كلام سببه ادراك الجانب الأميركي ان هامش مناورته قد تقلص اخيرًا وان الروس سيذهبون حتى النهاية والعودة الى تزخيم ضرباتهم الجوية وهذه المرّة الى المعابر الحدودية بين سوريا وتركيا، اضافة الى استئناف العمليات العسكرية الهجومية بالتنسيق مع الجيش السوري وحلفائه.

امّا لماذا فضّل الروس منذ فترة تحرير تدمر والقريتين ومساحات اخرى في البادية السورية شرقي حمص وفي مناطق الضمير ايضًا شرق دمشق، فلأنّ الأمر يرتبط بمسألتين اساسيتين:

– المسألة الأولى هي ان احدًا لن يعترض على اي عمليات بمواجهة تنظيم داعش، ولإدراك الروس ومعهم القيادة السورية ان خيارات مرتبطة بسير المعركة التي انطلقت منذ يومين باتجاه الطبقة لا يمكن اعلانها والقيام بها وتنفيذها في حال كانت نقاط الإرتكاز الحالية في شرق تدمر وشرق اثريا خارج سيطرة الجيش السوري، وهو امر مرتبط بطبيعة التحركات الأميركية واعلان الإنفصاليين الأكراد لمشروع الفيدرالية الذي يُراد له ان يشكل نموذجًا واقعيًا في طرح التقسيم بشكل علني كحلّ لإنهاء الحرب في سوريا، وما عرقلة المفاوضات إلّا لتسهيل القول بأنّ التقاء السوريين مستحيل وأنّ الحل هو بالذهاب الى التقسيم تحت مستوى الفيدرالية بدايةً لتتفلت الأمور فيما بعد وتذهب نحو المناداة بالأميركي كمنقذ ومخلص.

– المسألة الثانية تقديم نموذج نهائي حول قدرة سوريا للنهوض وارساء البعد الحضاري والإنساني للدولة بمواجهة المشروع التوحشي الهدّام لداعش وغيرها من الجماعات المسلحة، وما الإحتفالات التي قامت في تدمر إلّا صورة عن المشهد المتحضر الذي سينتصر في النهاية على مشهد الدم والتوحش.

المرحلة القادمة ستكون للأسف اكثر المراحل قسوة وتعقيدًا وستدفع فيها اميركا وحلفاؤها الإقليميون والجماعات المسلحة بكل قدراتهم لتحقيق خرق ما، وإعادة فتح الطريق امام مشروع لم يستطيعوا تحقيقه وترسيخه خلال خمس سنوات ونصف من الحرب التي اطلقوها على سوريا، ويقيني أنّ المواقف التي تنطلق باتجاه الروس وبعضها يصل حد