يصعب التكهن بالصورة التي ستكون عليها المنطقة قبل معرفة نتائج الإنتخابات الأميركية ورسم خطوط التفاهم الروسي الأميركي. فالحرب الباردة بين روسيا والحلف الأطلسي يشتد وطيسها على الأرض السورية ولا سيما في حلب وأريافها. وإدارة أوباما انسحبت من مشكلات الشرق الأوسط إلى مناطق آسيا والمحيط الهادىء. وبات ما قد يراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتصارا يعتبره الرئيس الأميركي باراك أوباما عبئا.

تشي رسائل لقاء القمة بين الرئيس بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن ثمة تفاهما أميركيا - روسيا على تحييد تركيا عن الصراع الدائر في سوريا. فالرئيس أردوغان ذهب الى موسكو بعد تحول جدي في موقف الولايات المتحدة الأميركية (إذ يصف أوباما أردوغان في أحد لقاءاته بأنه ديكتاتور فاشل)، والحلف الأطلسي والإتحاد الأوروبي والبدء بإعاقة تحركاته في الشرق الأوسط.

وقد ظهر هذا التحول في الموقف من المنطقة العازلة في الشمال السوري، والتي لطالما طمح اردوغان بضمها الى تركيا فيما لو حصل تقسيم سوريا نظراً إلى أهمية إطلالتها على المنطقة الآسيوية. ظهر هذا التحول أيضاً عندما بدأ الحلفاء القدماء لأردوغان بتوجيه إنتقادات فعلية تتهمه بتسهيل مرور الإرهابيين وتطالبه بالحد من الإرهاب الذي كانت له وظيفة خلال 5 سنوات من الحرب في سوريا. إذاً لم يكن ثمة خيارات بديلة لأردوغان عن الذهاب إلى روسيا.

قبل ذهابه إلى روسيا حاول كسر طوق حلب وتغيير المعادلة العسكرية على الأرض ليجلس امام نظيره الروسي على مائدة المفاوضات كقوي لا كضعيف (ما يبرر إثارة اردوغان لعقدة الأسد). أما رسائل أردوغان للولايات المتحدة الاميركية والأطلسي فكانت ببطانة إقتصادية روجت لأهمية تطوير العلاقات الإقتصادية الروسية - التركية إلى أكثر مما كانت عليه، أي إلى 100مليار $ بحلول أي 2020. وهو في المناسبة رقم واقعي فيما لو أخذنا بالإعتبار 5 ملايين سائح روسي في تركيا سنويا و160 ألف شركة تركية تعمل في روسيا و12% من حاجة النفط التركية تستورد من روسيا و50% من الواردات الغازية (أنابيب الغاز أيضا كانت حاضرة في لقاء بوتين أردوغان). القيصر أيضا يحتاج إلى هذه العلاقة. فتحييد تركيا- أردوغان أو توريطها في الحرب ضد "داعش" يحمي روسيا من إستنزاف طويل الأمد في سوريا، إضافة إلى أن روسيا التي صورها الرأس العربي على أنها حليفة الشيعة في المنطقة، معنية بعلاقة جيدة مع دولة كتركيا لها عمقها السني ولا سيما أن المسلمين في تركيا سيصبحون القوة الأكبر في الجيش الروسي، وأن الديانة المسلمة ستصبح الديانة الأولى في روسيا إبتداء من ال 2050، بحسب جريدة البرافدا الروسية. أما رسائل بوتين بعد لقاء القمة فتشي ببداية رغبة بالإتفاق على الملف السوري وعن إعادة للعلاقات الروسية التركية بشكل تدريجي.

أما إيران الحليف التقليدي لروسيا فلها مصلحة في التقارب الروسي – التركي. وتؤكد المعلومات أن تنسيقا روسيا - إيرانيا - سوريا بخصوص الملف التركي حصل قبل لقاء السلطان والقيصر. هذا التنسيق يقوم على الإستمرار بالإيحاء للتركي بأنه أصبح جزءاً من المعادلة في المنطقة وتحييد كامل ومؤقت لأردوغان عن الحرب في الشمال السوري.

"داعش" أوراق اعتماد تركية

من المبالغة القول أننا نشهد ولادة مثلث روسي - إيراني - تركي يكون له الكلمة الحاسمة في شؤون جزء من المنطقة. فالمسألة السورية جوهرية للأطراف الثلاثة ولا اتفاق عليها حتى اليوم. أيضا وعلى رغم ما يشاع عن تفاهم روسي - أميركي في الشرق الأوسط فإن المعطيات تشير إلى أنه ليس هناك حتى الآن اي اتفاق أميركي - روسي نهائي حول مستقبل سوريا. فالأميركي طالب الروسي بإعطائه مناطق خالية من الطيران السوري ليكون فيها معارضة معتدلة، لكن سوريا رفضت. فسوريا ما زالت شريكا في القرار على قاعدة أن العالم لم يشهد صمودا مماثلا (على مستوى الجيش والمؤسسات). ويعزز هذا الصمود تمسك روسيا ومثلها إيران للقاء الرئيس السوري بشار الأسد. وإذ تغمز التصريحات الإيرانية والروسية إلى أن أقصى ما يمكن قبوله هو حكومة إنتقالية تضم أطرافا معارضة، فإن الأميركي يشير إلى أنه يقبل أن يكون الأسد جزءاً من المرحلة الحالية على ألا يكون له أي دور عندما يبدأ الحديث عن حكومة جديدة ودستور جديد.

لا شك في أن الربع الأخير من العام السياسي سيشهد تحولات في المواقف قد تظهر على مستوى التحالفات. فقد تبدأ تركيا بعمليات عسكرية على حدودها ضد "داعش" لتقدمها كأوراق إعتماد لروسيا، إذ من المؤكد أن أردوغان يعتبر اللاعب الكردي خطرا دائما بينما يرى في "داعش" خطرا قابلا للزوال. ويعلم أيضا أن الإتفاق الروسي الاميركي على عدم إقامة دولة كردية قد يكون مقابل إغلاق الحدود في وجه الإرهاب، وبأن ثمة قراراً روسياً مركزياً مع الجيش السوري والجيش الإيراني و"حزب الله" بأن حلب والأرياف يجب أن تعود إلى سلطة الدولة.

الأكيد حتى اليوم اننا امام ملامح مشروع سياسي وتفاهم روسي - اميركي حول مستقبل سوريا، لكن المفترض أن الحاجة لهذا التفاهم أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى ولا سيما أن قاعدة حميميم الروسية التي تطفىء شمعتها الأولى مطلع الشهر المقبل تبعد عن قاعدة انجرليك الجوية الأميركية الشهيرة في جنوب تركيا عشرات الكيلومترات فقط.