الأمن القومي كلمة نسمعها غالباً في البرامج السياسية ونظن أنه أمر متعلق فقط بالجيش وبالقوى الأمنية. الحقيقة هي أن الأمن القومي يشمل الكثير من المكونات وهو موجود لدى كل دول العالم، لكن بعض المكونات تختلف أهميتها عن البعض الاخر بحسب الموقع الجيوسياسي كما الوضع الداخلي من كل جوانبه.
مثلاً، استثنائياً أحد أهم مكونات  الأمن القومي «الإسرائيلي» هو «الأمن الوجودي» لأنها مهددة بالزوال.
 في ما يختص لبنان فأهم مرتكزات الأمن القومي هي : الأمن السياسي - الأمن العسكري أي الجيش والقوى الأمنية - الأمن القضائي - الأمن الاقتصادي - الأمن الاجتماعي - الأمن الجيوسترا تيجي - الأمن الغذائي - الأمن الديموغرافي - أمن البنة التحتية (الطرقات، الطاقة...) ومؤخراً الأمن البيئي.
مرجع مخضرم يستعرض بالتفاصيل والامثلة اهم مكونات الامن القومي اللبناني:
1- الأمن السياسي: الأمن السياسي هو الركيزة الأولى للأمن القومي. في لبنان الشعب هو مصدر السلطات والنظام هون ظام برلماني. لكن في الواقع هنالك ثمانية أحزاب أساسية تتحكم بمصير السياسة في لبنان. عندما يكون المكون السياسي بخير يكون لبنان بألف خير. لكن لسوء الحظ ومنذ العام 2005 انقسم لبنان بين 8 و14 آذار ما عطل الاستقرار السياسي وبالتالي مؤسسات الدولة. بسبب التجاذبات والخلافات السياسية الداخلية والدولية شهد لبنان أطول فترة فراغ وشغور في مركز رئاسة الجمهورية في تاريخه ما أدّى إلى شلل في مؤسسات الدولة.  وحده قانون انتخابي حديث حسب النسبية يمكنه أن ينتزع لبنان من التخلف السياسي ويضعه على سكة الإصلاحات السياسية.
وباستسناء الأمن العسكري وعلى رأسه الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية التي تمكَّن الشعب اللبناني من العيش بطمأنينة أفضل بكثير من بعض الدول الأجنبية تبدو أكثرية مكونات الأمن القومي الأخرى ملبدة بالغيوم والعواصف.  
2- الأمن القضائي: الأمن القضائي ليس بأفضل أحواله حيث أن المحسوبيات كثيرة ولكنها ليست شاملة، بل هنالك الكثير من القضاة الشرفاء يتمتعون بضمير حيَّ ويحكمون فعلاً باسم الحق والقانون. كما أن هنالك قضاة يتعرضون لضغوطات ومغريات ترغمهم بعض الأحيان للرضوخ. مشكلة يجب الإضاءة عليها أيضاً هي كثرة الشكاوى والدعاوى لدى المحاكم، ما يؤخر بشكل ملحوظ مهلة  إصدارالأحكام. لذلك من الضروري بناء محاكم جديدة وزيادة عدد القضاة على أساس الكفاءة، وربما، لما لا، إعادة هيكلة  وتطوير الجسم القضائي بما يتلاءم مع متطورات القوانين والأوضاع المستجدة على الساحة اللبنانية.  
3- المكون الأمني: في ما يختص بالجيش والقوى الأمنية  فإنهم يقومون بواجبهم على أكمل وجه بمواجهة الكيان الصهيوني والإرهابيين رغم الإمكانات المحدودة، لكن ببسالة وبكفائة مهنية عالية جداً. فرغم وجود ملايين النازحين السوريين والفلسطينيين، يقوم الجيش اللبناني بالإضافة إلى الأمن العام وشعبة المعلومات وأمن الدولة بضبط الوضع الأمني بشكل شبه ممتاز ومع نتيجة أفضل من بعض الدول الغربية، ما يريح المواطن في تنقلاته ويسرَّع نوعاً ما الحركة السياحية والإقتصادية.
4- الأمن الاقتصادي : الوضع الاقتصادي الحالي خطر جداً لكن ليس ميؤوساً من أمره على المدى المتوسط والطويل، خاصة إذا تحلحل الوضع السياسي وتم تشكيل حكومة، لان هنالك إرتباطاً عضوياً وروحياً بين السياسة والأمن والاقتصاد. يجب أولاً التمييز بين الوضع الاقتصادي والوضع النقدي. فإذا كان هذا الآخير جيداً فإن الأول على شفير الهاوية، وبحسب مصادر في غرفة التجارة والصناعة فهناك بين 20 و25 مؤسسة تعلن إفلاسها أو تقفل أبوابها يومياً ما ينتج منه صرف عشرات الموظفين والعمَّال في اليوم الواحد على مدى أكثر من سنتين.
نتيجة لذلك فإن نسبة البطالة عند الشباب تجاوزت الـ 24%، أي أن حوالى مليون شاب وشابة عاطلون من العمل. أمّا نسبة المواطنين اللذين يعيشون تحت خط الفقر، فأصبحت أكثر من 32% أي حوالى مليون وأربعمئة  ألف مواطن  (حسب معلومات البنك الدولي) مع العلم أن أغلبية الـ 20 ألف متخرج جديد في الجامعات يبدؤون حياتهم المهنية بالبطالة ما يضطرهم إلى الهجرة.
علماً أن نسبة النمو الاقتصادي بلغت حوالى 1% سنة 2015  فيما كانت 9% سنة 2010، ورغم ذلك لم تقر الدولة اللبنانية موازنات سنوية منذ 11 سنة لمواكبة التطورات المستجدة في كل وزارة وفي كل قطاع منذ العام 2005 وبالتالي يطبق الآن مبدأ الموازنة الإحدى عشرية ما يعني أن رغم التطور في جميع المجالات فإن ميزانية كل وزارة هي نفسها كما كانت منذ 11 سنة مع بعض الفساد والسمسرات.
 أما نسبة التضخم عام 2015 فبلغت حوالى 2.09% وهو رقم مرتفع جداً بخاصة لذوي الدخل المحدود ويساوي 1% GDP.
 صحيح أن الدين العام تجاوز الـ70  مليار دولار لكن إن قمنا بعملية حسابية بطريقة  النسبية مثل باقي الدول فنقسم الدين العام على الناتج المحلي الإجمالي فيكون للبنان دين عام يمثل حوالى 152% من الناتج المحلي الإجمالي أو GDP.
 المعدل العام في الدول المتطورة هو240 %  أما في الدول قيد النمو فالمعدل هو 175%. فبالنسبة للبنان ورغم كل المشاكل فهو حوالى 152%. فما على الدولة اللبنانية فعله هو تنشيط الحركة الاقتصادية والقيام باستثمارات منتجة في الصناعة والتجارة والسياحة وبخاصة الزراعة... كي نزيد الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ عام 2014 حوالى 46 مليار دولار.
فيما في الدول الأوروبية ممنوع على أي دولة أن يتخطى عجزها المالي السنوي 3% من الناتج المحلي الإجمالي فإذ بلبنان يتخطى الـ 12% سنة  2015 وهذا مؤشر خطر على الاقتصاد بعامة وعلى المالية العامة بخاصة مع العلم أن المصارف وحدها تؤمن حوالى 150% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما القطاع العقاري (بناء وبيع منازل) فهو أيضاً بحالة جيدة حيث يؤمن حوالى 65% من الناتج المحلي الإجمالي بالرغم من الهبوط المؤقت (حوالى 18%) على طلب شراء المنازل.  ويلاحظ في الآونة الآخيرة طلب على شقق صغيرة ومتوسطة الحجم، كما طلب على شقق متوسطة الحجم في قبرص حيث هذه الجزيرة تبعد نصف ساعة طيران عن لبنان وهي جزء من الاتحاد الأوروبي وبالتالي من خلال تملك عقار في قبرص يمكن للمرء الحصول خلال فترة وجيزة على الجنسية القبرصية وبالتالي الاوروبية.
ويجمع خبراء الاقتصاد أن هذا أمر غير صحي اقتصادياً بخاصة عندما نرى تراجعاً كبيراً في باقي القطاعات كالصناعة والتجارة والسياحة وبخاصة الزراعة.
 وإذا أراد لبنان الانتماء إلى المنظمة العالمية للتجارة بفعل العولمة فستحل كارثة على قطاعي الصناعة والزراعة، كما هنالك قطاع جديد يجب تشجيعه منذ الجامعة وصولاً إلى سوق العمل وهو كناية عن شركات هندسة صغيرة متخصصة في مجال برمجة وسائل التواصل الإجتماعي والكومبيوترات. يطلق عليهم اسم: Start up، وبحسب وزارة الاقتصاد يوجد حالياً أكثر من 4000 ستارت أب في لبنان، لكن هذا النوع من الشركات بحاجة إلى أسرع درجة ممكنة في الإنترنت وهذا للأسف غير متوافر في لبنان.
ويقول الخبراء ان على الدولة اللبنانية أن تدعم جميع قطاعات الاقتصاد عبر إنشاء وزارة للتخطيط الاقتصادي تحاول تأمين نوع من التوازن بين جميع القطاعات كي تنوع مساهمة هذه الأخيرة في الناتج المحلي الإجمالي، كما توزيع المخاطر بين جميع القطاعات.
5- الأمن الغذائي: ويعتبر المرجع المخضرم انه في ما يختص بالأمن الغذائي لا يمكننا إلأ أن نوجه التحية إلى وزارة الصحة على جميع إنجازاتها في مكافحة الغذاء الملوث والفاسد وكذلك الأمر بالنسبة لخفض ومراقبة سعر الدواء رغم أن بعض المافيات ما زالت تستورد بضاعة فاسدة بغطاء من بعض النافذين الفاسدين الذين يفتقدون أدنى درجات الضمير، كما يجب على وزارة الإقتصاد (دائرة حماية المستهلك) أن تقوم بدور أكثر فاعلية في مكافحة الغش اللذي يتعرض له المواطن بعدة أشكال منها البضاعة الفاسدة والغش بنوعية وتاريخ صلاحية ومصدر تلك البضاعة كما والتلاعب بالأسعار...
 هنالك أيضاً دور لمديرية الجمارك بخاصة في مرفأ ومطار بيروت وهما بوابتا العبور لكل البضائع والمواد المستوردة، وفي موضوع البضاعة الفاسدة، يجب على كل مواطن أن يكون مراقباً ويبلَّغ السلطات المعنية عن مكان وجود تلك البضاعة عبر الاتصال على الخط الساخن لوزارة الصحة: 1716والخط الساخن لحماية المستهلك: 1739
6- أمن البنة التحتية: في ما يختص بالبنى التحتية  فلا داعي للتكلم عن قطاع الطاقة أوما يعرف بالكهرباء حيث تزور البيوت حوالى 9 ساعات يومياً رغم العشرات من المليارات (بالطبع بالدولار) التي أُنفقت على هذا القطاع منذ أكثر من 15 سنة وما زال عجز قطاع الكهرباء حوالى مليار ومئتين مليون دولار تمَّول من خلال استدانة البنك المركزي، مع العلم أن الطاقة هي من أهم ركائز الأمن القومي في حالات السلم والحرب، فيضطر المواطن إلى دفع فاتورتين ويتحكم صاحب المولد الكهربائي بالمشتركين كحاكم بأمر الله.   
أّما بالنسبة لحالة الطرقات فيمكن مشاهدة ازدحام السير الخانق بخاصة في بيروت وضواحيها لنستنتج أن شبكة الطرقات غير مؤهلة للألفية الثالثة وأن الحل الأمثل يكون بإنشاء شركة أو أكثر للنقل المشترك تليق بالمواطن اللبناني ويمكن أن يتم ذلك حسب نظام الـ (Build or Buy, operate and transfer) BOT، كما أننا بانتظار بدء تنفيذ الأٌتوستراد الدائري بين بيروت وجونيه كما هوالحال بالأوتوستراد الدائري في باريس.
من الضروري ذكر أيضاً أن للثقافة اللبنانية دوراً في هذه المشكلة حيث ان امتلاك سيارة رياضية أو فاخرة أو... والتنقل فيها هو دليل على حالة اجتماعية يرغب السائق بالانضمام إليها، لذلك العمل على العقلية اللبنانية أمر مهم جداً.
هنا أيضاً نلفت نظر المسؤولين الى أن طريقة نقل البضائع  خاصة بالشاحنات والقطار عبر طرقات مسهّلة هو أمر جوهري لنمو الاقتصاد، بخاصة التجارة والصناعة. حتى أن حالة البنى التحتية ومنها الطرقات مهمة جداً  في حالة الحرب فتسمح للجيش وللمواطن بالمقاومة عبر التنقل والوصول إلى أي مكان (جبهة، مستشفى...) بشكل أسرع.
وفي العام 2014 أجرى صندوق النقد الدولي دراسة كانت نتيجتها أن الاقتصاد اللبناني يخسر أكثر من ميلياري دولار أميركي سنوياً جراء ازدحام السير الخانق.
هنالك أمر مهم جداً لم يتطرق اليه كثيراً وهو الإنارة على الطرقات حيث ان السائق لا يتكل في الليل سوى على مصابيح سيارته. هذا سبب من أسباب كثرة الحوادث عندما تكون الشمس غائبة.  
7- الأمن الديموغرافي: بالنسبة للأمن الديموغرافي، ليس مخفياً على أحد أن الشعب اللبناني مكون من عدة طوائف ومذاهب ولولا الديموقراطية التوافقية التي أرساها الطائف لكانت طوائف تغلبت سياسياً على طوائف أخرى بسبب العدد. لذلك وكما قال القديس البابا الراحل يوحنا بولس الثاني «لبنان بلد الرسالة» يجب أن نحافظ على العيش المشترك ومن الضروري بناء دولة علمانية عبر تعليم أولادنا وأحفادنا كيفية فصل الدين عن الدولة كما حدث في فرنسا عام 1905.  
8- الأمن الاجتماعي: أزمة السكن تدخل ضمن المكون الإجتماعي فالمالك القديم يتقاضى قيمة زهيدة جداً من المستأجر منذ أن تدهورت الليرة اللبنانية أمام الدولار منذ أكثر من عشرين عاماً. هذا أمر لا يجوز ونأمل أن يطبق الحل الذي وجدته الدولة ولن يكون أي فريق مغبوناً.
إحدى أبرز المشاكل الاجتماعية أيضاً هي الضمان الصحي وفعل خيراً وزير الصحة بتطبيق الضمان الصحي المجاني لكل مواطن يبلغ سن الـ 64 وما فوق.  يبقى أن يتم تفعيل معاملات هذه المؤسسة الحيوية كي تكون المعاملات أسرع ولا يتعذب المريض «بزيارة» هذه المؤسسة التي ورثناها عن الانتداب الفرنسي عام 1941.
 المكون الاجتماعي مهمل من قبل الدولة اللبنانية ومن يقوم بواجبات الدولة هم المؤسسات الخيرية والجمعيات الأهلية من خلال مساعدة المحتاجين مادياً ومعنوياً. فهل يجوز أن تتخلى الدولة عن مسؤوليتها في قطاع اجتماعي (الانساني) فيه مواطنون بينهم أطفال وأولاد ونساء وعجّز؟ وبحسب الإحصائات الأخيرة يوجد في لبنان حوالى 750 مؤسسة خيرية مسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية.
ولم ينقص لبنان سوى أزمة النفايات، الكل لديه حل، وكل حل يختلف عن الآخر والدولة كالعادة عاجزة. هل الحل هواللامركزية الإدارية ولكل منطقة أن تحل مشكلة نفاياتها وغير نفاياتها؟