في الشكل والمضمون اختلفت زيارة وزير الدفاع يعقوب الصراف الى موسكو عن الزيارات التي قام بها اسلافه الى روسيا، وان كان ابرزهم الارثوذكسي الياس المر، رغم ان النتيجة جاءت عمليا واحدة. فمن يعرف الصراف وتاريخه العائلي يعرف جيدا مكانة روسيا وبطريركيتها الارثوذكسية في وجدانه ومدى حماسته لعودة الاخيرة للعب دورها في حماية المسيحية المشرقية، رغم انه خريج الجامعات الاوروبية.
ولا شك ان تلك الزيارة حملت الكثير من الابعاد السياسية والروحية، وان كانت نتائجها العسكرية متواضعة الى اقصى الحدود نتيجة توازنات معينة تحكم التعاون العسكري بين دول المنطقة ومناطق النفوذ، في ظل عودة روسية واسعة من البوابة السورية واعادة نشر لقواتها العسكرية في المنطقة ارتباطا بملف الغاز والنفط، الذي حازت شركاتها على امتياز استخراجه من المناطق المتنازع عليها بين لبنان واسرائيل، وطموح موسكو لنيل حصة اساسية من الغاز اللبناني، وهو ما يفسر اهمية الوجود العسكري البحري الروسي في سوريا فضلا عن انتشار مجموعة لا بأس بها من الاسطول البحري في المتوسط، حماية لمنشآت استخراج النفط وحقولها مستقبلا من اي اعتداءات، على ما يؤكد الخبراء في الشؤون العسكرية.
غير ان الاكيد ايضا ان تلك الزيارة انتهت حتى الساعة الى اتفاقين، الاول، متابعة الاتصالات الثنائية بين البلدين في مجال تعزيز العلاقات العسكرية، والثاني، زيارة خلال ايام لوفد عسكري روسي الى بيروت للقاء القيادة في اليرزة ووضع اتفاق التعاون والتدريب لعام 2018، حيث من المعروف ان الدولة اللبنانية وبوجب بروتوكولات التعاون تلك ترسل عددا من الضباط والعسكريين والفنيين الى روسيا لمتابعة دورات دراسية من اختصاص واركان، في الوقت الذي يسجل فيه غياب كامل لمدربين روس على الاراضي اللبنانية، او لضباط يتابعون دورات على الاراضي اللبنانية، كما انه لم يسجل حتى الساعة اي تفعيل لبرنامج زيارة السفن الحربية الروسية الى الموانئ اللبنانية رغم انتشارها الملحوظ في البحر المتوسط. مع الاشارة هنا الى ان كتيبة لوجستية-هندسية روسية سبق ان استقرت جنوب الليطاني لمدة اشهر في اطار «اليونيفيل» المعززة، قبل ان تغادر مقدمة جزءا من عتادها كهبة للجيش اللبناني.
وتكشف مصادر واسعة الاطلاع الى ان لائحة المطالب اللبنانية والتي سيتابعها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري خلال زيارته الى موسكو قد تغيرت «نوعيتها» بعد سقوط «العرض السخي» السابق والذي تضمن دبابات وطوافات وقذائف مدفعية وصواريخ، ممولة من مكرمة المليار السعودية المخصصة لشراء اسلحة روسية لكافة الاجهزة الامنية والعسكرية الروسية. وقد علم في هذا السياق ان حماسة الجانب الروسي الذي وافق على تقديم اسلحة للجيش اللبناني على سبيل الهبة تتلاءم والمهمات الجديدة له وهي عبارة عن رشاشات كلاشينكوف، مدافع رشاشة، بنادق قناصة، وقاذفات «آر.بي.جي 7».
وتتابع المصادر جازمة بأن واشنطن وخلافا لكل ما يتردد لم تهدد لبنان بوقف مساعداتها في حال تقرر استقدام السلاح الروسي، انما السؤال الاساسي الذي طرح حينها في اوساط القيادتين السياسية والعسكرية اللبنانيتين، كيف بالامكان تبرير طلب مساعدات من الاميركيين بالمجان في الوقت الذي حين توافرت الاموال عمدت بيروت الى دفع عشرات ملايين الدولارات لشرائه من روسيا، علما ان المستفيد الاكبر من المساعدة السعودية يومها كانت فرنسا لحسابات مرتبطة بمصالح المملكة.
وعليه تؤكد المصادر ان حاجات الجيش اللبناني حاليا قد تبدلت نتيجة تغير جزء اساسي من مهامه مع تحرير الارض من الوجود العسكري للارهاب من جهة، ونتيجة لنوعية المساعدات التي تم الحصول عليها من الاميركيين، وان بقيت الحاجة لبعض انواع الذخائر الروسية نتيجة التعديلات التي ادخلها الفنيون اللبنانيون على بعض الاسلحة الروسية القديمة كراجمات الصواريخ والتي كان لها دورها في المعارك الاخيرة وفي حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش طوال السنوات الثلاث الماضية مع «داعش» و«النصرة»، فضلا عن ان النجاح الباهر الذي حققه الابداع اللبناني بتحويل طوافات البوما الى قاذفات قنابل وصواريخ ثقيلة جعل الحاجة الى الطوافات الروسية غير ذي جدوى راهنا، خصوصا ان الذخائر التي تستخدمها البوما متواجدة اصلا في مخازن سلاح الجو اللبناني، دون ان يلغي ذلك امكانية تجهيز سلاح الجو بطوافات روسية على المدى المتوسط.
وسط كل ذلك تبقى النقطة الابرز المرتبطة بمسألة التمويل ذلك ان الدولة اللبنانية لم ترصد اي مبالغ لتسليح الجيش تسمح بعقد صفقات لتحقيق اسلحة جديدة، من جهة، ومن جهة ثانية لا يزال التعثر نصيب المساعدة السعودية وان كانت واشنطن قد نجحت ، وقبلها باريس، في انتزاع بعض الدفعات من المملكة لتمويل عقود اساسية كشراء طائرات السوبر توكانو ومصفحات البرادلي. فهل تنجح روسيا في تحريك الجزء المخصص لها من المكرمة الملكية لتفوز بالعقود التي تم التفاوض معها عليها؟