منذ اللحظة الأولى التي اعترفت فيها "إسرائيل" بسقوط طائرة "أف 16 – سوفا"، انطلقت التقارير التي أجمعت على أن ما جرى يتجاوز في أبعاده ونتائجه مجرد سقوط طائرة حربية. وهي حقيقة بدا أنها توغلت عميقا في وجدان الرأي العام الصهيوني والكثير من العالم العربي.


الآن، وبعد مضي أيام على تصدي الجيش العربي السوري للعدوان الإسرائيلي على الأراضي السورية، ما زالت قضية إسقاط الطائرة التي تنتمي إلى النوع الذي يشكل العمود الفقري لسلاح الجو الإسرائيلي، محور اهتمام ومتابعة وبحث مؤسسة القرار السياسي والامني في تل ابيب، وعلى ألسنة خبرائه وبأقلام المعلقين العسكريين.

لدى التدقيق في الاشتباك بين سلاح جو العدو، والدفاع الجوي السوري، يمكن وصف ما جرى بأنه تصدي ورد سوريين في آن. من جهة، تصدت منظومات الدفاع الجوي السوري لطيران العدو، وأدت إلى اسقاط الطائرة التي تستند اليها "إسرائيل" في قوتها العسكرية والجوية. أما الرد – حتى لو أتى في سياق التصدي لطائرات العدوان – فتمثل بانفجار عشرات الصواريخ في سماء الجليل، وفوق المدن والمستوطنات، ما دفع في حينه المستوطنين إلى المبادرة بشكل ذاتي، لفتح الملاجئ.

مشكلة "إسرائيل" الأخرى، أنه حتى لو لم تسقط طائرات في المرة التالية، إلا أن عملية التصدي نفسها وتفجر الصواريخ فوق الجليل سيشكل عبئا وضغطا على الكيان الإسرائيلي. كونه سيعني فرض وتكريس معادلة لا يستطيع الرأي العام تحملها. وهو ما سيضعها أمام مروحة خيارات صعبة. لكل منها تداعياته القاسية والمكلفة.

مع أن نيران الطائرة المشتعلة قد انطفأت إلا أن نيران المفاجأة والصدمة ما زالت تستعر في وعي القادة العسكريين والسياسيين في "إسرائيل". ويبدو من خلال المواقف التي تتوالى أن القلق والرعب ما زال هو المسيطر، لمجرد تخيل أن هذا السيناريو قد يتكرر مرة أخرى في وقت قريب. ولأنه في حال تم ذلك، فستكون تداعياته أكبر بكثير، ورسائله أبلغ، وتأثيره على صناع القرار أشد، الذين سيخلصون إلى أن النظام السوري حسم خياره الاستراتيجي في التصدي للاعتداءات، بأسرع مما كانوا يتخيلون.

على المستوى العسكري، لم تجرؤ أية جهة مهنية معتبرة في "إسرائيل"، على تقديم تفسير وتبرير منطقي لسقوط العمود الفقري لسلاح الجو الإسرائيلي، بما يطمئن الجهات المعنية أن ما جرى هو لمرة واحدة فقط. وما رفع من درجة القلق أن إسقاط الطائرة، تم بصاروخ يعتبر بمعايير معينة، غير متطور، بل وقديم. ويعني ذلك أنه وفق تكتيك معين يمكن لهذه الصواريخ ايضا تعريض الطائرات الإسرائيلية المتطورة للخطر. وهو ما سيلقي بثقله على "المهام" التي يفترض أن تقوم بها لاحقاً. من هنا، ليس من المبالغة القول أن دلالات ومفاعيل هذا التطور العسكري "مرعبة" للقيادة العسكرية، التي ستستنفذ جهودها من أجل اجتراح حلول لا تكون على حساب الدور الذي يؤديه سلاح الجو.

تواصل القيادة الإسرائيلية ضخ رسائل سياسية واعلامية، تهدف إلى التأكيد على أن التصدي السوري للاعتداء الإسرائيلي لن يردعها عن مواصلة استراتيجية "المعركة بين الحروب". وهو ما يعني أنها ستواصل محاولات تكريس المعادلة التي توفر لها هامش حرية استمرار شن الضربات على الساحة السورية. وضمن الاطار ذاته، تندرج التغطية الاعلامية لما تقول "إسرائيل" أنها عززت منظومات دفاعها الجوي في الشمال، وهو ما يؤكد أن "إسرائيل" تمهد الارضية، وتستعد لمواصلة اعتداءاتها. ويهدف هذا التهويل، المقترن بأداء إعلامي موجه، إلى توجيه رسالة إلى القيادة السورية، مفادها أن ما جرى لن يردعها عن مواصلة اعتداءاتها.

أيا كانت اللغة التي تحاول من خلالها "إسرائيل" تعويض الصدمة التي تلقتها، مع كل يوم يمر، وفي كل موقف استعراضي تقدم عليه، تؤكد على حقيقة أن الرئيس الاسد استطاع فعلا أن يفاجئهم في المدى الذي ذهب إليه، بتصديه للاعتداء الإسرائيلي. وهو ما فتح مروحة الاحتمالات أمام صانع القرار الأمني والسياسي، إزاء ما قد ينتظرهم من مفاجآت لاحقا. وتكشف ردة الفعل الإسرائيلية، السياسية والأمنية والإعلامية، عن أنهم في تل ابيب وقعوا مجدداً أسرى قوالبهم في تقدير الواقع السوري، واستشراف مآلاته.


العهد