الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان مُحقًّا عندما قال أن الغَضب العربيّ والإسلاميّ تُجاه قرارِه بنَقل السَّفارة الأمريكيّة إلى القُدس المُحتلّة سيَستمِر لبِضعة أيّام ثم سُرعان ما يَتراجع، وتَعود الأُمور إلى وَضْعِها الطَّبيعي، فها هو، وبَعد أشهرٍ قليلة، يُوجِّه “صَفعةً” أُخرى تَنطوي على اسْتفزازٍ أكثر وقاحة، بالإعلان عن التّسريع بهذهِ العمليّة، وافْتِتاح السَّفارة في أيّار (مايو) القادِم في الذِّكرى السَّبعين لقِيام دَولة الاحتلال الإسرائيلي.


الرَّد الفِلسطيني تَمثّل في عَقد جَلسةٍ طارِئة للمَجلس المَركزي، ألقى فيه الرئيس محمود عباس خُطبةً عَصماء، وتَقرّر وقف كُل أشكال التَّنسيق الأمني ومُطاردة مُجرِمي الحَرب الإسرائيليّة أمام مَحكمة الجِنايات الدوليّة، وجاء التّطبيق لهذهِ القَرارات مُعاكِسًا، فقوّات الأمن الفِلسطينيّة لم تُوقِف التَّنسيق الأمني، بل ضاعفته، ولَعِبت الدَّور الأكبر في تَقديم مَعلوماتٍ لنَظيرتها الإسرائيليّة لعبت الدور الأساسي في اغتيال الشهيد أحمد جرار، قائِد عمليّة قَتل الحاخام الإسرائيلي في مُستوطنة قُرب مَدينة نابلس.


كان قَرار حركتيّ “حماس″ و”الجِهاد” بعَدم حُضور جَلسات هذا المَجلس مُصيبًا، وقراءة صَحيحة لمَوقِف السُّلطة، ولكنّه كان في الوَقت نفسه غير فاعِل، لعَدم إرفاقِه بقرارات عمليّة رادِعة، أبرزها وقف “التَّكاذُب” الذي عُنوانه “المُصالحة”، وتَكثيف الاحْتجاجات الشعبيّة ضِد السُّلطة والاحْتلال معًا، والتبصّر بمخاطِر ما هو قادِم.

أمّا الرَّد العَربي على هذهِ الصَّفعة فتمثّل في تَوقيع مِصر صَفقة غاز القرن مع دولة الاحتلال بِقيمة 15 مليار دولار لمُدَّة عَشر سنوات، الأمْر الذي جَعل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يَرْقُص طَربًا، ليس من ضَخامة المَبلغ، ومعاني الصَّفقة التطبيعيّة، وإنّما أيضًا من تَولِّي السُّلطة المِصريّة مُهمّة تَسويق فائِض الغاز الإسرائيلي المَسروق إلى دُولٍ عربيّةٍ وأوروبا، وهذا قِمّة الإثم. 


الأُردن الذي من المُفتَرض أن أُسرته الهاشميّة تتولّى الوِصاية الدينيّة على القُدس المُحتلّة، ومُقدَّساتِها المسيحيّة والإسلاميّة، أعادت حُكومته فَتح السَّفارة الإسرائيليّة، وعَودة العَمل فيها تحت ذَريعة حُصولها على اعتذارٍ إسرائيليٍّ عن مَقتل ثلاثة من مُواطِنيها، وتَقديم تَعهّد بِمُحاكَمتهم، وتَبيّن لاحِقًا أنّه لم يَكُن هُناك أي اعتذار، والقَتلة الإسرائيليين ما زالوا طُلقاء.


عمليّات التطبيع بين الدُّول العربيّة وإسرائيل في تَزايدٍ مُستمر، فها هو بَرلمان تونس يَرفُض تبنّي مَشروع قانون بتَجريم التطبيع مع دولة الاحتلال، وها هو أفيخاي أدرعي، المُتحدّث باسم جَيشه، يظهر أكثر من مرّة مُهدِّدًا العَرب، ومُدافِعًا عن وِجهة النَّظر الإسرائيليّة، على شاشة قناة “الجزيرة”، أمّا السيد عادل الجبير، وزير الخارجيّة السعودي، فيُؤكِّد أن إيران وليس إسرائيل هي العَدو الأوْحَد والأخْطر الذي يُهدِّد استقرار المِنطقة والعالم بأسْرِه، والأمثلة كثيرةٌ على هذا الهَوان العَربيّ.


رُدود فِعل السُّلطة الفِلسطينيّة المُخجِلة والمُعيبة على قرار نقل السفارة في يَومِه الأوّل يتحمّل المَسؤوليّة الأكبر عن كُل هذهِ الخَطوات الاستفزازيّة اللّاحِقة المُهينة، وآخرها تقديم مُكافأة ثمينة جِدًّا لدولة الاحتلال بافْتتاحها بعد ثلاثة أشهر وفي يوم ذِكرى النَّكبة الفِلسطينيّة للمَقر الجديد للسَّفارة الأمريكيّة.


ماذا سَيفعل الرئيس عباس، وكيف سَترد سُلطته على هذهِ الصَّفعة؟ غير المَزيد من الإدانات والبَيانات التي حَفظنا كلماتها عن ظَهر قلب.. هل سَيَحِل السُّلطة؟.. لا نعتقد، هل سَيُعلِن حل قوّات الأمن الفِلسطينيّة ووقف التَّنسيق الأمني؟ لا يَجرؤ على ذلك.. هل سَيُطلق شرارة الانتفاضة المُسلّحة الثانية؟.. خُطوة مُستحيلة من رجل راهَن دائمًا على المُفاوضات.. وباتَ يَلعب دَور المندوب السِّياحي لِحَثْ العَرب والمُسلمين على التَّطبيع وزِيارة القُدس المُحتلّة. 


عندما يَستعيد الفِلسطينيون هَيبتهم، وهيبة قضيّتهم، ويُصعّدون من مُقاومة الاحتلال، ويَرفعون من كُلفته الماديّة والبشريّة، ويَبدأون مُقاومتهم بالتخلّص من هذه السُّلطة وفِكرها الاستسلامي الخانِع، سَيُدرِك ترامب وحُلفاؤه الإسرائيليون خَطأهم، وسَيندمون على كُل هذه السِّياسات الاستفزازيّة الوَقِحة.


نحن نَعيش الزَّمن العَربي الأسْوأ، والأكثر هَوانًا وإذلالاً، زَمن يتواضَع أمامه نَظيره الذي شَهِد ضَياع الأندلس.. لم نَكن نتصوّر نَحن الذين عِشنا زَمن المُقاومة الذَّهبي، ورَفض هزيمة 67، إنّنا سَنعيش هذهِ اللَّحظة.. وحَسْبُنا الله ونِعْم الوَكيل.


عبد الباري عطوان