مع بدء عمليّة العدّ العكسيّ لموعد توجُّه الناخبين الروس إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في دورة الانتخابات الرئاسيّة المقرَّرة نهار الثامن عشر من شهر آذار الجاري، جاء الخطاب السنويّ الذي ألقاه الرئيس فلاديمير بوتين صباح اليوم الخميس أمام الجمعيّة الاتّحاديّة في موسكو بمثابةِ فرصةٍ كبرى لدغدغةِ الشعور القوميّ واستنهاضه في أوساط الناس تحت مظلَّة تجديد التأكيد على أهمّيّة المكانة التي نجحت روسيا في استعادتها كقوّةٍ عظمى على المسرح الدوليّ خلال سنوات الألفيّة الثالثة، بعدما كانت قد فقدَتها، ولو إلى حينٍ، خلال السنوات العجاف التي تلت تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ طيلة عقد التسعينيّات من القرن العشرين، تمامًا مثلما جاء أيضًا بمثابةِ مناسبةٍ كبرى لتوجيه رسائلَ سياسيّةٍ، بأبعادٍ استراتيجيّةٍ، إلى من يهمّهم الأمر في عواصم الدول الغربيّة المنضوية تحت لواء حلف شماليّ الأطلسيّ، وفي مقدِّمتهم واشنطن، ولا سيّما بعدما تركَّز الجزء الأكبر من الخطاب على ما حقَّقته المؤسّسة العسكريّة الروسيّة من إنجازاتٍ في مجال تطوير قدراتها الدفاعيّة لمواجهة الأخطار المحدقة بها من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، وهي الأخطار الناجمة، بحسب الرئيس بوتين، عن تداعيات عدم التزام الولايات المتّحدة باتّفاقيّات الحدّ من التسلُّح، وما يترافق مع ذلك من تحدِّياتٍ وتهديداتٍ تستهدف المسّ بالأمن القوميّ الروسيّ.

على هذا الأساس، كان لا بدَّ للرئيس بوتين من يُصارح العالم بأنّ بلاده اضطرَّت إلى استحداثِ أسلحةٍ استراتيجيّةٍ جديدةٍ ومتطوِّرةٍ تتفوَّق بقدراتها على كافّة الأنظمة الدفاعيّة الموجودة لدى الدول الأخرى، مستعرِضًا للمرّة الأولى صور الصواريخ العابرة للقارّات، ومن بينها صاروخ "سارمات" الذي لا توجد في الوقت الحاليّ منظومةٌ دفاعيٌّة في العالم تمتلك القدرة على رصده أو إسقاطه، ناهيك عن الطائرات الهجوميّة التي تفوق بسرعتها سرعة الصوت، والمزوَّدةِ بصواريخَ مجنَّحةٍ بإمكانها المراوغة والمناورة على مدى مسافاتٍ طويلةٍ لضربِ أهدافٍ محدَّدةٍ من دون أن تتمكَّن شبكات الرادار والإنذار المبكِّر من رصدها، إضافةً إلى جيلٍ جديدٍ من الغوّاصات ذاتِ المهارات القتاليّة الفائقة.

وإذا كان الرئيس بوتين قد شدَّد على أنّ "تنامي القوّة العسكريّة لروسيا هو ضمانة للحفاظ على السلام"، على حدِّ تعبيره، فإنّه لم يتردَّد مقابل هذا التشديد في إطلاقِ تهديداتٍ مؤدّاها أنّ أيَّ استخدامٍ للسلاح النوويّ ضدَّ روسيا أو ضدَّ حلفائها سيلقى ردًّا فوريًّا، قائلًا في هذا السياق ما حرفيّته: "أذكِّر بأنّ العقيدة العسكريّة الروسيّة تُجيز حقَّ استخدام السلاح النوويّ ردًّا على استخدامه ضدَّ روسيا أو ضدَّ شركائها، أو استخدامِ أيٍّ من أسلحة الدمار الشامل، أو في حال استخدام الأسلحة التقليديّة ضدَّنا، بما يهدِّد وجود الدولة. وفي هذا الخصوص، أعتبِر أنّه من واجبي التذكير بأنّ أيَّ استخدامٍ للأسلحة النوويّة ضدَّ روسيا أو حلفائها، سنعتبره هجومًا نوويًّا على بلادنا، والردّ سيكون فوريًّا، مع كلِّ ما يترتَّب على ذلك من عواقب".

هذا الكلام الواضح والمباشِر والصريح، وإنْ كان قد تضمَّن أيضًا تقييمًا براغماتيًّا خلاصته أنّ روسيا لم تصل إلى الوضع الراهن إلّا بعدما فقدت الأمل في إمكانيّة تحمُّل الولايات المتّحدة مسؤوليّاتها تجاه الأمن الدوليّ، ولكنّه عكَس في المحصِّلة النهائيّة مدى التوتُّر غير المسبوق الذي يخيِّم حاليًّا على أجواء العلاقات الروسيّة – الأميركيّة جرّاء استفحال الخلافات بين الجانبين حول العديد من الملفّات الدوليّة والإقليميّة الساخنة، بدءًا من الصراع على مصادر الطاقة في القطب الشماليّ، مرورًا بأزمة شبه الجزيرة الكوريّة وتداعياتها المرتقبة على الاستقرار في بحر الصين، وكذلك بالتداعيات الناجمة عن استمرار المحاولات الأطلسيّة للتمدُّد شرقًا، ووصولًا إلى أزمات منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يفسِّر سبب إصرار الرئيس بوتين على استخدام مفردات "الشركاء والحلفاء" أكثر من مرَّةٍ في خطابه اليوم، وخصوصًا عندما تحدَّث عن أهمّيّة الشراكات والتحالفات القائمة ما بين بلاده وما بين الصين والهند وغيرها من الدول التي تتشكَّل منها مجموعة الـ "بريكس".

على هذا الأساس، وبالنظر إلى أنّ نتائج آخِرِ استطلاعٍ للرأيِ كانت قد أظهرت قبل قرابة الشهرين أن الرئيس بوتين يحظى بتأييد أكثر من واحدٍ وسبعينَ في المئة من عموم المواطنين الروس، فإنّ الأمر الذي لا شكّ فيه هو أنّ نتائج الانتخابات الرئاسيّة المقبلة نهار الثامن عشر من الشهر الجاري ستُظهر أنّ هذه النسبة أصبحت أعلى بكثيرٍ بفضل المواقف المعلَنة في خطاب اليوم، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الكلمة المحبَّبة أكثر من غيرها بكثيرٍ في الشارع الروسيّ هي تلك التي تقول إنّ "روسيا دولة عظمى"، فكيف إذا كان الناس قد سمعوها للتوّ على لسان رئيسهم المحبَّب بدوره أكثر من غيره بكثيرٍ على قلوبهم، وخصوصًا بعدما أكَّد أمام العالم بأسره على أنّه لن يسمح لأحدٍ بعد الآن بأن يتحدَّث إلى روسيا بلغة التهديد والوعيد؟

كلمةٌ، أغلب الظنّ أنّ أصداءها لم تقتصر على التردُّد ضمن المساحات الروسيّة الشاسعة وحدها وحسب، بل وصلت أيضًا إلى مختلف العواصم المعنيّة بمفرادات لغة التهديد والوعيد، الأمر الذي لا بدَّ من أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى وضع ما تحتاج إليه مقوِّمات المحافظة على الأمن الدوليّ من كوابحَ للحيلولة دون وصول الفجاجة والشطط في الخطط الاستراتيجيّة الموضوعة في تلك العواصم إلى حدِّ الخوض في مغامراتٍ عسكريّةٍ متهوِّرةٍ.. وحسبي أنّ الرسالة البوتينيّة وصلت، وما على العالم إلّا الترقُّب واليقين.


جمال دملج - خاص "لبنان 24"