لا شك ان الجيش العربي السوري في معركته لتحرير الغوطة الشرقية، يواجه بالإضافة إلى خليط من المسلحين الارهابيين أو من الآخرين القريبين منهم، مجتمعا دوليا متواطئا ومنخرطا مع هؤلاء الارهابيين، وهذا ما يزيد من صعوبة هذه المعركة ومن حساسية وخطورة المناورة التي من المفترض اعتمادها، أولا لإكمال تحرير الغوطة الشرقية، وثانيا لمواجهة كل التعقيدات والتحديات التي يفرضها وسيفرضها هذا المجتمع الدولي المتواطئ مع الارهابيين. 


من هنا، ارتكزت هذه المناورة على فكرتين رئيستين: الأولى تقوم على اختيار محاور التقدم وتقسيم المراحل وتحديد الاجراءات والتدابير المطلوبة حسبما يفترض الميدان، والثانية تقوم على توجيه المناورة بشكل يفصل المجموعات المسلحة ويفك ارتباطها، ويُلغي او يُبعد اي تأثير وتنسيق متبادل بين بعضها.


الفكرة الأولى

– تركزت على اختيار المحور الشرقي كمحور للمهاجمة الرئيسية، وذلك بعد ان اوحت عمليات الجيش العربي السوري بإمكانية اعتماد اكثر من محور، من خلال توزيع جهود مماثلة تقريبا من الغرب انطلاقا من إدارة المركبات، ومن الجنوب على الجهة المقابلة لبلدة كفربطنا، ومن الشمال الغربي بين دوما وحرستا، وانطلاقا من حوش نصري وحوش الشلق تم التقدم المفاجئ وتحرير حوش الضواهرة، وبعد التثبيت الذي لم يتجاوز الأربع وعشرين ساعة، اندفعت وحدات الاختراق جنوبا محررة النشابية واوتايا، وشمالا محررة الشيفونية والريحان.

– وهكذا انهت الوحدات المُهاجِمة في المرحلة الأولى تحرير اكثر من 40 بالمئة من المساحة الاساسية المطلوب تحريرها، وامتلكت – ما بين الريحان شمالا وبيت نائم جنوبا – قاعدة انطلاق واسعة ومناسبة للتمدد في كافة الاتجاهات التي ستتحدد قريبا، انطلاقا من سلوك وردة فعل المجموعات الارهابية لاحقا من جهة، ومن تطورات المعركة المتداخلة مع الضغوط الدولية من جهة أخرى.


الفكرة الثانية

وتركزت على مناورة مركبة ميدانية واستراتيجية، حاول فيها الجيش العربي السوري تنفيذ ما يتطلبه الميدان من جهة، ومواجهة الثغرات والحساسيات التي عمل ويعمل عليها رعاة الارهابيين الإقليميون والغربيون تحت غطاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن من جهة أخرى وتمثلت بالتالي:

– تنفيذ الأعمال القتالية والعسكرية والميدانية بالتزامن مع ترك معبر مخيم الوافدين شمال دوما لخروج كافة الحالات الانسانية، والجرحى من المدنيين ومن المسلحين، ولمن يريد من المدنيين اذا استطاع تجاوز ضغط وعرقلة الارهابيين، ودخول كافة الحاجات اللوجستية المسموحة من ادوية وتغذية ومحروقات، دون المتعلقة بدعم معركة الارهابيين.

– التركيز على فصل شمال الغوطة الشرقية عن جنوبها، وذلك من خلال تنفيذ التقدم في المرحلة الاولى حتى مشارف بيت سوا ومسرابا في الوسط، والتمركز على بعد اقل من 3 كلم من مواقع وحداته في ادارة المركبات غربا، والتحضير الميداني والعسكري واللوجتسي لاكمال وثبة نهائية يربط عبرها محوره الاساس بين حوش الضواهرة وادارة المركبات.

– التركيز على اكمال الفصل بين شمال الغوطة وجنوبها، بهدف قطع كل اشكال الدعم والمساندة المتبادلة بين المجموعات الارهابية داخل الغوطة، وفك كافة اشكال التواصل الميداني والعسكري والتنسيقي بين جيش الاسلام من جهة، وبين جبهة تحرير الشام وفيلق الرحمن واحرار الشام من جهة اخرى.

قد تكون هذه المناورة التي اعتمدها الجيش العربي السوري هي الانسب لتحقيق أهدافه من المعركة، اولا في تحرير الغوطة الشرقية وإبعاد خطر ورمايات الارهابيين عن ملايين المواطنين في العاصمة دمشق، وثانيا في فرملة وابعاد والغاء التاثير الدولي السلبي على معركته الواسعة لتحرير كامل الجغرافيا السورية من جهة أخرى، وحيث اصبح الميدان يوحي بقرب تحقق هذه الاهداف، يبقى من الضرورة أن تأخذ هذه المناورة بعين الاعتبار كل اجراء طارئ ميداني او استراتيجي، والذي من الممكن ان تنفذه المجموعات الارهابية بالوكالة عن المجتمع الدولي المتواطئ في هذه الحرب الكونية على سوريا.



شارل أبي نادر – عميد متقاعد

العهد