انه ناحوم غولدمان، أحد آباء اسرائيل والرئيس السابق للوكالة اليهودية، الذي قال لمناحيم بيغن «عليكم الانتقال من المفهوم الاسبارطي للدولة الى المفهوم الأثيني». أن تكون اسرائيل الفاتيكان اليهودي.
غولدمان كتب ذلك في «اللوموند ديبلوماتيك». هو الذي اصطحب معه الصحافي الفرنسي البارز جان دانييل (يهودي ليبرالي) الى المغرب لعقد اللقاء الشهير في حديقة قصر الصخيرات مع الملك الحسن الثاني. في تلك الساعات تبلور السيناريو الخاص بزيارة أنور السادات لأورشليم وصولاً الى توقيع اتفاقية كمب ديفيد.
الرجل الرؤيوي، بما تعنيه الكلمة، اعتبر أن ثمة سقفاً للقوة «لا بد أن ترتطم به الخوذة الفولاذية وتتحطم».
لامجال لتذويب الفلسطينيين، لا في التاريخ «كما حاول الكثيرون أن يفعلوا بنا»، ولا في أفران الغاز «العالم الذي ثار ضد المحرقة اليهودية لا يمكن أن يتقبل المحرقة الفلسطينية».
سأل ما اذا كان «ضميرنا يتحمل تلك الكمية من الجثث»، دون أن يتصور أن العرب يمكن أن يبقوا مجرد هباء بشري وأن يأتي أفيغدور ليبرمان من مواخير البلطيق ويدعو الى نقل الفلسطينيين بالحاويات الى البحر الميت.
كان لافتاً أن يقول آرون ميلر، الخبير في شؤون المنطقة، ان اسرائيل «أمام الخوف الكبير». للمرة الأولى يعتريها هذا الاحساس بالقلق من نتائج أي حرب تشنها. لهذا، تحديداً، كانت مناورة «كوبرا جونيبر» بمثابة اعلان بأن أميركا على حدود اسرائيل.
ميلر رأى أن المنطقة بين خيارين، اما الطوفان العسكري أو الطوفان الديبلوماسي. سأل ما اذا كان يكفي أن تقدم المملكة العربية السعودية على تلك الخطوة التي تكسر البعد اللاهوتي  للصراع. ولكن، هل يفضي ذلك الى سيطرة الفلسفة البراغماتية على العقل السياسي، أم انه يفضي الى تسونامي راديكالي يدمر ما تبقى من المنطقة.
لا أحد الا ويقول ان جاريد كوشنر لا يمتلك الحد الأدنى من الرؤية السياسية أو الديبلوماسية، وأن خروجه من البيت الأبيض بات وشيكاً، لكنه الرجل الذي يلتقي، دورياً، هنري كيسنجر ودنيس روس اللذين لهما تصورهما التوراتي للتسوية، ودائماً بالذراع الخشبية للولايات المتحدة.
هذان الرجلان يعتبران أن الوجود الأميركي على الأرض السورية ينبغي أن يتعدى البعد التكتيكي الى البعد الاستراتيجي. البيت الأبيض أخذ بذلك، ووضع دمشق أمام خيارين، اما معاهدة سلام مع اسرائيل أو تفكيك سوريا قطعة قطعة.
مصادر ديبلوماسية تشير الى أن هذا الطرح نقل، بطريقة أو بأخرى، الى الرئيس بشار الأسد الذي اذ رأى ألاّ مكان لأي مسار ديبلوماسي في ظل «الاحتلال الأميركي» لأجزاء من بلاده، أكد أنه سيدافع حتى الرمق الأخير عن وحدة التراب السوري.
ما تناهى الى واشنطن أنه اذا ما تبلورت مناخات التفاوض، وهي مستحيلة بوجود بنيامين نتنياهو وفريقه، فان الأسد الابن لا يمكن أن يرتضي بما هو دون مفهوم الأسد الاب للسلام. دولة فلسطينية بالمعايير الكلاسيكية للسيادة، والانسحاب من الجولان حتى ضفاف طبريا.
المسألة الخطيرة، هنا أن دولاً عربية تساند بقوة الاتجاه الأميركي على أنه المحور الأساسي في صفقة القرن التي، في نظر هذه الدول، اذ تحتاج الى أكثر من جراحة جغرافية ودستورية، تضع حداً لجدلية الصراع في الشرق الأوسط.
هكذا تتم اعادة الايرانيين الى الهضبة الفارسية، وتنتفي، تلقائياً، الجدوى من المنظومات الصاروخية لـ «حزب الله» الذي يفقد مبرر وجوده.
المثير أن يقال أن الكوندومينيوم السعودي ـ الاسرائيلي الذي يحوّل المنطقة الى فردوس اقتصادي، هو وحده الكفيل بازالة الظلال الجيوسياسية لكل من ايران وتركيا.
هل هي المصادفة أن تنشر وكالة بلومبرغ الأميركية، في هذا الوقت بالذات، تقريراً يظهر أن لبنان هو الدولة الأكثر مديونية في العالم بعد اليونان واليابان؟ الاطفاء التدريجي للدين بالعودة الى اتفاق 17 أيار 1983، والا الانفجار الاقتصادي الذي يذهب بالدولة اللبنانية.
ريتشارد هاس استغرب كيف أن دونالد ترامب يلتقي كيم جونغ ـ أون ويتمنع عن لقاء حسن روحاني وفلاديمير بوتين, وحتى بشار الأسد  حيث ورقة السلام وورقة الحرب.
أي كلام آخر هو الهذيان في الوقت الضائع. في الدم الضائع!