لكي نفهم بدقة موضوع الكهرباء، فان هناك وجهتي نظر داخل الحكومة، وجهة النظر الاولى تقول باستئجار باخرتين تركيتين تنتجان 800 ميغاوات، وعندها يتم تأمين الكهرباء لكل لبنان في شهر ايار وبمعدل 20 ساعة يومياً. اما في بيروت ودائرتها الكبرى فتؤمن 24 على 24 ساعة، والقيمة هي مليار و800 مليون دولار على مدة 5 سنوات، اي تقريباً 380 مليون دولار سنوياً، ووجهة النظر الاولى تنطلق من ان استئجار الباخرتين التركيتين يؤمن الكهرباء للمواطنين خلال شهر ايار اذا تم اتخاذ القرار في هذا الشأن، وان لبنان الذي سيستقبل خلال فصل الصيف مليون و300 الف مغترب لبناني وسيشكلون عاملاً اقتصادياً مهما للبنان، كما انه خلال البحث في العلاقة بين لبنان ودول الخليج العربي، وما وعد به الموفد السعودي العلولا خلال زيارته الاخيرة الى لبنان، وكذلك خلال زيارة الرئيس سعد الحريري الى السعودية، بأن المواطنين السعوديين والخليجيين سيأتون الى لبنان، لقضاء موسم الاصطياف، كما ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعند استقبال الموفد السعودي العلولا، سأله عما اذا كانت السعودية سترفع الحظر عن مجيء السعوديين الى لبنان لتمضية موسم الاصطياف، وان لبنان بلدهم الثاني بل الاول، ورد العلولا بأن المملكة العربية السعودية ستصدر قريباً بيانا تنزع فيه اي حظر على قدوم السعوديين الى لبنان، وستشجع السعوديين على تمضية فصل الصيف في لبنان، وهناك علاقات اخوة بين لبنان والسعودية، كما ان لبنان يشهد استقراراً امنياً وهذا يشجع السعوديين على القدوم الى لبنان، كما ان رئيس الجمهورية عندما زار الكويت والتقى امير الكويت وعد الرئيس عون بانه سيطلب من الكويتيين المجيء الى لبنان، وانه هو شخصياً مشتاق لتمضية اسبوعين في لبنان، لكن ليس في قصره الصيفي اللبناني الذي لم يتم ترميمه بعد وسيجد المكان المناسب، وهنا قال الرئيس عون لامير الكويت، هناك قصر بيت الدين الرئاسي الصيفي وهو بتصرفك، فقال امير الكويت، خيراً حصل، وسنأتي الى لبنان، كذلك فان دولة الامارات العربية المتحدة وقطر والبحرين سيأتون الى لبنان، ولذلك فان وجهة النظر تقول بضرورة تأمين الكهرباء خلال شهر ايار وقبل فصل الصيف وطوال الخمس سنوات المقبلة، وفي ذات الوقت العمل على بناء معملين لانتاج الطاقة خلال 3 سنوات تؤمن حاجة لبنان مع طامة احتياط اضافية بنسبة 25% وعندها يتم الاستغناء عن الـ5 سنوات لاستئجار البواخر وتصبح المدة 3 سنوات.
اما وجهة النظر الثانية فتتحدث بلغة سياسية وبان وكيل الباخرتين التركيتين هو نقيب المهندسين سمير ضومط وهو شبه عضو في تيار المستقبل، وان الوزير جبران باسيل ورئىس الحكومة سعد الحريري هما وراء صفقة استئجار الباخرتين، في حين ان سعر استئجار الباخرتين التركيتين هو سعر عالمي وضعته دولة مالي في افريقيا ودولة الجزائر، وهو 12 سنتا للكيلوواط. وهذا السعر المعروف لاستئجار البواخر عالميا حيث سعر الكيلوواط 11 سنتا اميركيا، في حين ان سعر كيلو الواط للكهرباء لبنانيا 17 سنتا، اما سعر الكيلوواط في المولدات الكهربائية 41 سنتا.
بين وجهتي النظر، سيحصل سجال داخل مجلس الوزراء، وربما ذهبت الامور الى التصويت او الانفاق، لكن يبدو ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيطرح على الوزراء السؤال الآتي: ماذا تريدون، الانتظار لثلاث سنوات حتى استكمال بناء المعملين ام الحصول على الكهرباء في ايار والاستفادة من موسم الاصطياف وتأمين الكهرباء للبنانيين، وسيترك الامر للرئيس الحريري والوزراء لاتخاذ القرار، سواء عبر النقاش او التصويت لكن هناك موجة شعبية تؤيد استئجار البواخر والحصول على الكهرباء في ايار، ومن خلال الحصول على 20 ساعة كهرباء في اليوم، فان المواطن سيستغني عن الاشتراك بالمولدات الكهربائية الخاصة وسيوفر عبئاً مالياً عبر دفع فاتورة واحدة.
لكن الخلاف بالاساس على الكهرباء هو سياسي اكثر منه تقنياً وكهربائياً؟
لكن في الوقت ذاته فان الإهتمامات بالتحالفات الإنتخابية وصعوبة إنجازها قبل السادس والعشرين من آذار الجاري، تطغى على مباشرة لجنة المال والموازنة مناقشة مشروع موازنة العام 2008، وتنذر بتحويل الأنظار عن أرقام العجز الخطيرة التي باتت معلومة من كل الأطراف، مع العلم أن السرعة في إقرار هذا المشروع في مجلس الوزراء، والتصميم على مناقشته وإقراره في مجلس النواب في مهلة قياسية، ترتبط في الدرجة الأولى بالقرار السياسي بمقاربة الملف المالي للدولة عشية مؤتمرات الدعم المرتقبة للبنان، وبالتالي، توجيه رسالة إلى الخارج بأن الدولة اللبنانية قد باشرت تنفيذ الإصلاحات الضرورية للحصول على دعم المجتمع الدولي المرتقب في الأشهر المقبلة. لكن الإقرار المعجّل لمشروع قانون موازنة 2008، لا يلغي الواقع الصعب الذي كشفته أرقام العجز، والتي بقيت خارج الموازنة، وهي المتعلّقة بعجز الكهرباء، والذي لا يزال في طليعة العِقَد، كما تكشف مصادر وزارية مطّلعة على هذا الملف، وعلى الرؤية الحكومية الخاصة بموضوع الكهرباء.
والواقع بحسب المصادر الوزارية نفسها، أن هذه الرؤية تؤكد على المعالجة الجذرية والمستدامة للعجز الحاصل في الكهرباء من جهة، وعلى توفير الطاقة للمواطنين في الشكل المطلوب من جهة أخرى. وتبدي هذه المصادر جملة ملاحظات على هذا العجز، وإن كان غير مدرج في الموازنة، معتبرة أن التأثير فائق السلبية على أرقام الموازنة، وبالتالي، كان التوافق على تحييد هذا الملف الساخن. ولذلك، فإن الإنقسام حول هذا الملف الذي تكرّس في المرحلة السابقة داخل مجلس الوزراء، مستمر في المرحلة المقبلة على إيقاع السباق الإنتخابي، وذلك بعدما أصبحت الكهرباء عنواناً إنتخابياً بامتياز بعدما كان سياسياً في السابق، حيث تؤكد المصادر أن المعالجة يجب أن تقتصر على النواحي التقنية انطلاقاً من الدراسات العلمية مع سلوك الآليات القانونية في عملية إجراء مناقصات من أجل تنفيذ المشاريع الكفيلة بتأمين الطاقة، سواء كانت عبر بواخر الكهرباء أو عبر المعامل في البر.
وبالنسبة إلى هذه المصادر الوزارية نفسها، فإن الفريق الوزاري الذي يعارض المقاربة الحالية، سيصعّد معارضته، لا سيما على عتبة الإنتخابات النيابية، وذلك بعدما بات الإشتباك الكهربائي في الحكومة اشتباكاً سياسياً يلقي بثقله على أكثر من ملف، وصولاً إلى تهديد التحالفات السياسية والإنتخابية داخل الحكومة وخارجها. وتوقّعت المصادر دخول عدة اعتبارات على خط أزمة الكهرباء، خصوصاً لجهة توظيف الأزمة المتمثّلة بالتقنين في الإنتخابات النيابية، والمساهمة في إرباك العديد من الأطراف أمام الرأي العام والناخبين، وذلك فيما لو تم إظهار القوى المعارضة للخطة الحالية المتمثّلة باستئجار البواخر، وكأنها ترفض تأمين الطاقة، وتوفير فاتورة الكهرباء على المواطن.
وبالتالي، فإن العودة إلى أزمة الكهرباء في مجلس الوزراء في الأسبوع المقبل، تحمل في طياتها بذور خلاف وانقسام على طاولة الوزراء، وذلك بصرف النظر عن كل المستجدّات حول هذا الملف في الفترة الماضية، كما تؤكد المصادر الوزارية، والتي تكشف أن الرؤية الحكومية المتعلّقة بتأمين الطاقة بأقل كلفة ممكنة، ستجد سبيلاً للترجمة من خلال مؤتمرات الدعم، وتحديداً مؤتمر «سيدر» في فرنسا، الذي سيقدّم قروضاً ميسّرة للدولة من الصناديق الدولية والخليجية من أجل تنفيذ مشاريع البنى التحتية، والتي لا تقتصر فقط على الكهرباء، بل تتعدّاها إلى مجالات الطرقات والمياه والبيئة. وتخلص المصادر الوزارية ذاتها، إلى أن ملف الكهرباء قد وصل إلى مفترق طريق حاسم، وإن كان لم يُدرج عجز الكهرباء في الموازنة، وذلك تحت وطأة ضغط المؤتمرات لمساعدة لبنان، والتي ستضع النقاط على الحروف في عملية ضبط العجز من جهة، وتأمين الطاقة من جهة أخرى، وسحب الملف من التداول السياسي والإنتخابي في المرحلة المقبلة.