لم تنجح المنظومة الكردية في المشرق العربي في تمرير مشروعها الانفصالي في كل من سوريا والعراق، اذ كانت النتائج كارثية على الاكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة الاميركية اثر محاولتهم الاكثر جرأة حتى الان بالاستقلال والانفصال عن العراق تمهيداً لتنفيذ السيناريو نفسه في وقت لاحق في سوريا. الخطأ الاستراتيجي الكردي تمثل في اعتبار ان بإمكان الولايات المتحدة الاميركية مساعدتهم وحيدةً على تنفيذ مشروعهم السياسي الانفصالي المتناقض ليس فقط مع وحدة اراضي الدولة الام اي الدولة العراقية في حالة اقليم كردستان بل المتعارض بشكل جوهري ومصيري مع المصالح القومية والامن القومي لكل من دولتين اقليميتين كبريين في الشرق الاوسط هما تركيا وايران. 
اعتبر الاكراد ان الفرصة سانحة لتحقيق حلمهم القديم بإقامة دولة قومية تبدأ في العراق كمرحلة اولى وتنتهي بحسب تصورهم على السواحل الشرقية للبحر المتوسط، فأقدموا على اجراء استفتاء الاستقلال رغم معارضة دولية وتهديدات اقليمية واضحة تطالبهم بالرجوع عنه. اخطأ مسعود البارزاني والانتليجنسيا الكردية في التوقيت، فقد اعتبروا ان الساعة حانت بما ان الحكومة المركزية العراقية استنفدت طاقاتها في الحرب على داعش وان لا قدرة لها على افشال الاستفتاء او نتائجه على الساحة الوطنية العراقية. غير ان الظرف كان يسمح لتوسيع النفوذ الكردي وتثبيته وتحسين شروط «الشراكة» مع بغداد وليس الدخول في مسار الاستقلال الذي يهدد مباشرة الامن القومي الايراني والتركي. فتركيا التي يـوجد فيها اكثر من 16 مليون مواطن من اصول كرديـة لن تسمح بقيام دولة قومية للاكراد على حدودها الجنوبية الشرقية ولو اقتضى ذلك الاصطدام السياسي المباشر مع الاميركيين وهذا الذي حصل. فلقد كاـن واضـحاً كيف اصطفت تركيا على خط التنسيق المباشر مع ايران وروسيا بعد ان تأكدت من مكر الاميركيين وتآمرهم على امنها القومي مع الاكراد. اصطفاف تركيا دفع بالاميركيين الى الوقوف عند مصالحهم الاستراتيـجية مع تركيا في حلف الناتو والتخلي عن الاكراد. وهذا ما حصل على الارض السورية مؤخراً على سبيل المثال، اذ دخلت تركيا الى مدينة عفرين معقل القوات الكردية  دون ان تقوم الولايات المتحدة برسم اي خط احمر للاتراك. وقد تكون المرحلة المقبلة الدخول الى مدينة منبج السورية.
اما في ايران التي يوجد فيها اكثر من اربعة ملايين مواطن من اصل كردي، تقاطعت مصالحها مع تركيا بالحفاظ على وحدة الاراضي العراقية والوقوف بالخندق ذاته في وجه المشروع الكردي. كما ان التقاطع الايراني - التركي في سوريا كان واضحاً حيث لم يحصل اي اشتباك مباشر بين القوى العسكرية المدعومة من الطرفين، اضافة الى تغاضي ايران عن العملية العسكرية التركية في عفرين، مما يظهر بوضوح الاتفاق الضمني على مجريات الامور.
في المحصلة ومن حسن حظ العراق وسوريا، اخطأ الاكراد في الاستراتيجية والتوقيت. في الاستراتيجية، ظنوا ان بامكان الولايات المتحدة فرض اجندتها ونظرتها الى منطقة الشرق الاوسط ولو ان مصالح دول اقليمية مؤثرة تصبح تحت التهديد المصيري المباشر. اعتبروا ان بامكان دولة عظمى كالولايات المتحدة ان تعيد رسم الخريطة الجغرافية-السياسية وتهديد امن ايران وتركيا والنجاح في ذلك وهنا كانت خطيئتهم المميتة.
وفي التوقيت، خيل للاكراد ان المنطقة تمر بمخاض مشابه لذلك الذي كان يوم اتفاقية سايكس بيكو وان الساعة حانت لتنفيذ مشروعهم القومي. وهنا اخطأوا من جديد، اذ لا يمكن ان تقوم قائمة لهم ما دام ان تركيا موحدة بأول درجة وايران قوية بثاني درجة. فـي الحـرب العالمية الاولى وبعدها، كانت السلطنة العثمانية مهزومة من الحلفاء ومنهوكة في حرب مع اليونان. اما اليوم فلا تشبه تركيا السلطنة المهزومة بشيىء، فهي خامس اكبر جيش في العالم وعضو في حلف الناتو ولديها حلفاؤها الاقليميون والدوليون وميزان المصالح يطغى لمصلحتها.
غداً : بعد هزيمة الاكراد في العراق وسوريا، ما هي العبر التي يجب اخذها ؟!