جوزيف ضاهر


كلّ الأحزاب والقوى السياسية باتت أمام خيارات إنتخابية صعبة، إن على مستوى الترشيحات أو التحالفات أو حتى تركيب اللوائح، لعلمها المسبق بأن المزاج الشعبي تبدّل، والرغبة بالمحاسبة على سنوات عجاف لم تقّدم فيها الكتل النيابية للناس الا الوعود، ومشاريع إنماء على الورق، لم يتحقق منها شيء على الأرض، وإن كان الثنائي الشيعي أقلّ تأثراً من غيره بتلك المتغيرات، لكنّه لا يركن للنوم على حرير الفوز المحسوم سلفاً، طالما أن السباق محفوفاً بخطر الاختراق الوارد في أكثر من دائرة.
وإذا كان القلق ينتاب الكتل الكبرى من ضمور حجمها، فإن تيار «المستقبل» بات الأكثر قلقاً مما ستحمله صناديق السادس من أيار، وهو الذي يقرأ المشهد في مناطق نفوذه، من زاوية مختلفة عن دورتي الــ2005 و2009 اللتين منحته الكتلة النيابية الأكبر، ومردّ هذا القلق بحسب مصادر مقرّبة من التيار الى ثلاثة عوامل أساسية، الأول إختراق قوى الثامن من آذار لمناطق نفوذه بلوائح قادرة على المواجهة، وامتلاكها «بلوكات» جديرة بإحداث خرق كبير وحصد مقاعد من مناطق كانت صافية للتيار الأزرق، مثل عكار وبيروت الثانية وصيدا والبقاع الغربي. والثاني إن تحالف «14 آذار» الذي لعب دوراً حاسماً في الدورتين السابقتين، لم يعد موجوداً بعدما «تفرّق العشّاق»، وبات كلّ منهما يلهث وراء مقاعده ومصالحه، ويجاهر بأن غايته تكمن في الحفاظ على قوته البرلمانية وتحصينها. أما العامل الثالث، فيواجه «المستقبل» صعوبة كبرى في توزيع الأصوات التفضيلية للناخبين بين مرشحيه، خصوصاً في منطقة حساسة مثل عكار، الموجود فيها كتلة أصوات مسيحية لا يستهان بها، قد تنهكه في ضمان فوز مرشحه الماروني هادي حبيش، لا سيما مع بروز ملامح فرط عقد التحالف الانتخابي مع التيار الوطني الحرّ، وعدم بلورة تحالف مماثل مع القوات اللبنانية، ووجود لائحة مكتملة من فريق «8 آذار» قادرة على المنافسة وخرق لائحة «المستقبل» بعدة مقاعد.
ويبدو أن أزمة «المستقبل» لا تقف عند هذا الحد، إذ تعتبر مصادر عكارية، أن ثمة «مواجهة حتمية بين التيار وشخصيات سنيّة تشكل إزعاجاً له في عكار، رغم تراجع حدّتها جرّاء الخلاف المستجد بين الوزير السابق أشرف ريفي والنائب خالد ضاهر، وتوجه كلّ منهما لتأليف لائحة مستقلة عن الآخر، ما يشتت أصواتهما بين هاتين اللائحتين». لكنّ معضلة بيروت الثانية هي أكبر تحدّ للتيار لأنها دائرة رئيسه سعد الحريري، ونتائجها تشكّل الاختبار الأصعب لرئيس الحكومة، الذي يخشى أن تتكرر فيها تجربة سليم الحصّ مع والده رفيق الحريري في انتخابات الـ2000، مع فارق أن فوز الحريري (الابن) شخصياً مضمون، بينما لائحته مهددة، إذا لم تحسن ماكينات التيار إدارة المعركة بدراية، وتكون بارعة في توزيع أصوات غير مضمونة سلفاً، بفعل حالة العتب وأحياناً الغضب حيال أسماء مرشحي بيروت.
وتتقاطع آراء الخبراء في العملية الانتخابية، على أن دائرة بيروت الثانية ذات الغالبية السنية، دونها ثلاث صعوبات، أولها مواجهة المستقبل، للثنائي الشيعي الذي يملك «بلوكاً» يقارب الـ28 ألف صوت، يجعله قادراً على تأمين الحاصل، بفعل تحالفه مع قوى سنيّة مؤثرة، منها «جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية»  (ألأحباش)، وبعض الشخصيات المستقلّة، ما يمنح «حزب الله» هامش الفوز بأكثر من ثلاثة مقاعد، ضمنها المقعدين الشيعيين، ما يشكّل إحراجاً غير مسبوق للحريري في عقر داره، وثانيها أنه يواجه لائحة من السنّة المستقلين مثل الجماعة الاسلامية التي لا يستهان بأصواتها، بعدما أخرجهم الحريري من «جنّة التحالف» من دون تقديم مبرراته لذلك، وثالثها، حالة الامتعاض التي تنتاب جمهوره وناخبيه، لا سيما في أوساط إتحاد العائلات البيروتية، الذي أهمل الحريري نصائحه بضمّ شخصيات وأسماء وازنة الى لائحة «الخرزة الزرقاء». مع الأخذ بالاعتبار دور المجتمع المدني الذي وجّه رسالة واضحة الدلالة في الانتخابات البلدية، وقادر على إعادة الكرّة اليوم.
وإذا كانت استطلاعات الرأي ترجّح خسارة كبيرة لـ «المستقبل» في معاقل نفوذه، الأخرى في صيدا والبقاع الغربي وطرابلس، بسبب العوامل المتشابهة، فإن هذا الأمر لن ينسحب على خصمه الأساسي، أي الثنائي الشيعي، خصوصاً «حزب الله» الذي يبدو مرتاحاً الى وضعه، أقلّه الاحتفاظ بكتلته الوازنة، مع ما له من حلفاء يمنحه كتلة نيابية مؤثرة في البرلمان، ما يجعل المواجهة المقبلة صعبة للتيار الأزرق، لأن الانتخابات ستفقده مع حلفائه القدامى الأكثرية البرلمانية المطلقة، لكن ذلك لا يلغي حتمية ترؤس سعد الحريري حكومة ما بعد الانتخابات، استكمالاً لتسوية تشرين الأول 2016، التي أفضت الى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وأتت به رئيساً للحكومة، مع إعتراف الجميع وحتى الخصوم بأن الحريري هو الأقدر على إدارة المرحلة المقبلة، وترجمة مقررات المؤتمرات الدولية المخصصة لدعم لبنان وتنميته، إنما هذه المرّة مع فارق واسع، مفاده أن رئيس الحكومة سيكون أقلّ تأثيراً في الداخل بفعل تراجع كتلته، والثاني أن حلفاء الأمس انتقلوا الى جبهة المعارضة، مثل «الكتائب» وربما «القوات اللبنانية»، إذا ما ارتأت أن خارج معادلة الحكومة الجديدة لألف سبب.