في تطوُّرٍ جديدٍ من شأنه أن يكشف المزيد عن حقيقة الأهداف المرجوَّة من وراء الحرب الديبلوماسيّة التي تشنُّها دول الارتصاف الأميركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ ضدَّ روسيا على خلفيّة تداعيات قضيّة تسميم العقيد السابق في الاستخبارات الروسيّة سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز الأعصاب في مدينة سالزبوري البريطانيّة يوم الرابع من شهر آذار الفائت، جاء الإعلان عن اعتزام كلٍّ من إيسلندا والسويد والدانمارك وأستراليا واليابان مقاطعة حفل افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم المقرَّر تنظيمه في روسيا يوم الرابع عشر من شهر حزيران المقبل، أسوةً بما فعلته بريطانيا، ليضع هذه المناسبة الريّاضيّة الكبرى تحت المجهر، ولا سيّما بعدما أكَّدت المتحدِّثة باسم وزارة الخارجيّة في موسكو ماريا زاخاروفا اليوم الأحد بشكلٍ مباشِرٍ وصريحٍ أنّ "سرّ هجوم الدول الغربيّة" على بلادها في الوقت الحاليّ، يتمثَّل في السعي إلى "إبعاد تنظيم بطولة كأس العالم عن روسيا بكافّة السبل"، معتبرةً أنّ "هذا هو الهدف الرئيسيّ لهم، ولكنّه حلم بعيد المنال"، على حدِّ تعبيرها.

لا شكّ في أنّ هذا الكلام يحمل في طيّاته الكثير من المعاني التي تستوجب أخذه على محمل الجدّ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ المحاولات المتكرِّرة لـ "تسييس" البطولات الريّاضيّة تكاد تصبح موضةً رائجةً على طول خارطة العالم وعرضها، ناهيك عن أنّ روسيا بالتحديد كانت قد عانت الأمرّيْن خلال السنوات القليلة الماضية جرّاء استهدافها بحملاتٍ دعائيّةٍ ممنهَجةٍ على خلفيّة اتّهام نجومها وأبطالها بتناول المنشِّطات، وهي الحملات التي دفعت الرئيس فلاديمير بوتين إلى توجيه الدعوة تلو الأخرى لمطلقيها والنافخين فيها من أجل الالتزام بما يُفترَض أن تستوجبه شروط المحافظة على القواعد الأخلاقيّة في مجال الفصل ما بين السياسة وما بين الريّاضة، وذلك بالنظر إلى إيمانه العميق بأنّها حملات جائرة.

وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ أكثر ما يكرهه الغرب الأميركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ هو أن يرى في روسيا الدولة القويّة والحصينة والعصريّة والمتطوِّرة، وسيل الأمثلة على هذه الكراهية المبيَّتة له أوّلٌ وليس له آخِر، فإنّ ما جاء على لسان السيّدة زاخاروفا بخصوص المساعي الغربيّة المبذولة في الوقت الراهن للحرتقة على حفل افتتاح بطولة كأس العالم، لا بدَّ من أن يُضاف إلى ما سبقه من مواقفَ رسميّةٍ روسيّةٍ للدلالة إلى شطط وفجاجة قائمة الأهداف الموضوعة في أجندات المخطِّطين الاستراتيجيّين الغربيّين، على خلفيّة إشعال حربهم الديبلوماسيّة الحاليّة، ولا سيّما إذا أضفنا إلى ما تقدَّم ذكره أنّ مناسبةً ريّاضيّةً على هذا القدر من الأهمّيّة، وبغضّ النظر عن عوائدها الاقتصاديّة المغرية، غالبًا ما تشكِّل فرصةً للدول المنظِّمة لكي تُظهِر براعتها وهيبتها في مجال التخطيط والإدارة، وبالتالي في مجال الاستقبال والرعاية والضيافة، اجتماعيًّا وثقافيًّا وسياحيًّا، الأمر الذي لا يختلف اثنان ممّن قُدِّر لهم زيارة روسيا في الماضي على تمايُز هذه الدولة المتراميّة الأطراف في كافّة تلك الاختصاصات والمجالات.

من هنا، وبالنظر إلى أنّ نهائيّات كأس العالم لعام 2018 ستُجرى خلال الفترة الممتدّة بين الرابع عشر من حزيران والخامس عشر من تمّوز في إحدى عشرةَ مدينةً روسيّةً، بدءًا من موسكو، مرورًا بسان بطرسبورغ وسمارة وسارانسك وروستوف وسوتشي وكازان وكالينينغراد وفولغوغراد ونيجني نوفغورود، ووصولًا إلى يكاترينبورغ، يُصبح في الإمكان القول إنّ مساعي الدول الغربيّة لتعكير مياه هذه الفعاليّة الريّاضيّة الكبرى، أملًا في الإيحاء بأنّها قادرةٌ على الاصطياد فيها، لا بدَّ من أن تعود عليها في نهاية المطاف بسلَّةٍ فارغةٍ، الأمر الذي يتأكَّد أكثر فأكثر إذا وضعنا في الحسبان أنّ نتائج آخِر استطلاعٍ للرأي أُجري في بريطانيا حول الجهة التي يُفترَض أنّ تكون مسؤولةً عن حادثة تسميم العقيد سكريبال وابنته يوليا في سالزبوري، بحسب ما كشفه الخبير الاستراتيجيّ المخضرم والديبلوماسيّ الروسيّ السابق فويتشلاف ماتوزوف أثناء مداخلته البارحة على شاشة قناة "روسيا اليوم"، أظهرت أنّ أكثر من ستّين في المئة من البريطانيّين يعتقدون بأنّ سلطات بلادهم هي المتورِّطة في حادثة التسميم، تمامًا مثلما أظهرت أنّ أكثر من عشرين في المئة يرجِّحون تورُّط الولايات المتّحدة، بينما لم تتجاوز نسبة المستطلَعين الذين وجَّهوا أصابع الاتّهام لروسيا الستّة في المئة.. وحسبيّ أنّ هذه النتائج إنْ دلَّت إلى شيء، فهي تدلّ إلى أنّ الهوّة ما بين الحاكم وما بين المحكوم في المجتمعات الأوروبيّة التي تتمكَّن من المحافظة على عراقة مفاهيمها الديمقراطيّة آخِذةٌ بالاتّساع يومًا بعد يومٍ، وأنّ ما يجري للتوّ، عبْر البوّابة البريطانيّة، ليس أكثر أو أقلّ من امتحانٍ لمعرفة المدى الذي يمكن أن تصل إليه الانتهاكات المتواصلة لتلك المفاهيم.. وحسبي أنّ في نهاية هذا الامتحان، ستُكرم رئيسة الوزراء تيريزا ماي أو تُهان.