بكل التفاصيل، مثلت معركة الغوطة الشرقية مفاجأة على النحو الاستراتيجي بشكل كبير، حيث كان المطلوب أن تستنزف قوات الجيش السوري بطريقة بالغة ومؤثرة في تلك البقعة الجغرافية الصعبة لترابطها بعقد إمداد لوجستي متعددة ومناورة ميدانية واسعة ومتخفية في أغلب الأحيان، كل ذلك دفع أقطاب الحرب على سورية على الطرف الآخر للرهان على أن المعركة الأخيرة على تخوم العاصمة السورية ستكون مؤلمة وقاسية بالنسبة لدمشق.


لم تنجح الخريطة الحربية التي رسمت على جبهة الغوطة الشرقية بريشة أميركية أن تبتلع الجيش السوري ولا حتى أجزاء منه، لذلك تم مد حبل العامل الإنساني للقفز عليه إلى جهة أخرى علها تستطع الحد من فاعلية العملية العسكرية التي كانت تنجزها القوات السورية، عبر استهداف محكم للبنية اللوجستية لجيش الإسلام وفيلق الرحمن وجبهة النصرة، التي لم تستطع في غضون أسابيع من متابعة التثبيت فكان لا بد من التنحي بعيدا عن هذه الجبهة إلى أماكن أخرى، بقرار موقع من خلف البحار حفاظا على الميليشيات من الفناء، باستغلال ما تتيحه الفرصة للانتقال إلى زاوية أخرى بعد خسارة قاعدة ارتكاز الجنوب السوري والاعتراف الأميركي بهذه الهزيمة.

إعلاميا، انتقل مروجو الحرب، إلى الاعتماد على الأدبيات النازية، كانوا مضطرين إلى ذلك بعد استهلاك مخزون التجييش الطائفي والديني بفجاجة ودون حساب، «عندما أتى الجنود» رواية ألمانية تحكي «مأساة» ما بعد سقوط ألمانيا النازية على الصعيد الاجتماعي، وحقيقة، فإن الحرب العالمية الثانية ما زالت تخفي مأساة إنسانية لا يمكن تناولها بعلم الإحصاء خصوصا لجهة الضحايا الذين وقعوا آنذاك. ما زالت الولايات المتحدة الأميركية تعاني فضائح ما بعد إتيان الجنود الاميركيين إلى أفغانستان والعراق، والصومال ومناطق أخرى، كما أنها وحلفاءها في الناتو يحاولون الصد بقوة ضد اتجاهات الإدانة الإنسانية لتصرفات تلك القوات خلال الحروب والنزاعات المسلحة، وبشكل ما، على طريقة الدراما السينمائية الأميركية لتفريغ أي انجاز تاريخي من مخزونه.

مشكلة أميركا وأصحابها في سورية، أن ما حصل عندما أتى الجنود السوريون، ليس كما حصل عندما أتى الجنود الآخرون، لأن الحالة في الغوطة الشرقية هو أن مدنيي العاصمة دمشق وريفها أزالوا السواتر من حياتهم، ورفعوا حجاب الخوف وذهبوا لتأدية أول صلاة شكر منذ ثماني سنوات دون الاعتقاد بأن الدماء ستسيل على ساحة العيد وكل ذلك تحت عين الجنود السوريين الذين قاموا بالتوازي مع تأمين خطوط جبهة المواجهة السابقة، بتأمين طرق وصول المدنيين إلى حياتهم العادية التي كادت أن تنسى بفعل تراكم المأساة التي كانت تسببها الجماعات المتطرفة المدججة بالقذائف والأسلحة الصاروخية.

عندما أتى الجنود السوريون حالة تاريخية أولى من نوعها ودقيقة ونادرة، ليست كمثل عندما يأتي جنود آخرون، المقارنة القريبة لما جرى في العراق مثلا أثناء الاحتلال الأميركي، تظهر مدى التباين الأخلاقي الصارخ، هناك حالة وجدانية مميزة بربط الصور التي تمثل وثائقا معتبرة وأكيدة عن نوعية الحرب التي تدور، لإطلالة القائد السوري العميد سهيل الحسن على العاصمة دمشق من قمة قاسيون قبل بدء العمليات، وفيما بعد، تعاطي جنود الجيش لتسهيل تحرك المدنيين وتأمين طقوسهم وشعائرهم وطرق الحياة والعمل لأولئك الذين عانوا على مدى سنوات، وبعد إتمام المهام سيمضي الجنود إلى جبهات أخرى، ومن ثم إلى السماء أو إلى الثكنات، دون أي صورة تسجل كوثيقة لمخالفة أخلاقية كتلك التي تفعلها الجيوش الأميركية وأصدقائها، إنها مغايرة تاريخية عميقة جدا.



شام تايمز