ينهمك لبنان منذ الساعات الماضية ولا سيما على "السوشيل ميديا" باحتمالات وقوع الحرب، وذلك بعد إعلان الولايات المتحدة الاميركية استعدادها لتنفيذ ضربة عسكرية في سوريا، حيث يرفض بعض اللبنانيين البقاء في منأى عن الصراع القائم في المنطقة على اعتبار أن انعاكاساته قد تمتدّ مجددا الى وطنهم، خصوصا أنه مع بداية الاحداث الدموية سرعان ما انتقلت الشرارة الى لبنان فأصبح غالبية اللبنانيين في حالة تأهّب مستمرّ خشية ان تعود الحرب من جديد.

وقد بدا لافتاً سرعة انتشار المقالات الصحافية التي تروّج لاحتمال وقوع الحرب، الأمر الذي غالباً ما يؤثر على الرأي العام فيتناقلها كلٌّ على حسب توجهاته وانتماءاته، لكنّ العناوين الفضفاضة التي تصدّرت بعض المواقع، والتي تحدثت عن ضربة اسرائيلية بمواجهة "حزب الله" في لبنان، ما هي، بحسب مراقبين، سوى تمهيد بطيء لانسحاب "حزب الله" من المناطق السورية بناء على اتفاق يؤمّن له في المقابل غطاء دولياً في لبنان، وليس مؤتمر "سيدر 1" ببعيد، والذي أمّن للحكومة اللبنانية التي تضم 17 وزيراً من خط "حزب الله"، دعماً سياسياً واقتصادياً.  

والسؤال الذي لا بدّ من التوقف عنده هو أنه كيف تتبرع الدول بمبالغ طائلة وصلت قيمتها الى نحو 11 مليار دولار الى حكومة لم يتبقّ من عمرها الزمني سوى ايام معدودة؟ تقول بعض الأوساط المتابعة لمؤتمر "سيدر" أنه جرى اتفاق مسبق على استنساخ الحكومة الحالية في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، لكن شبح تطيير الانتخابات للإبقاء على هذه الحكومة لا يزال مخيّما، وبات احتمالا غير مستبعد مع تسارع الاحداث السياسية في المنطقة.  

ومما لا شكّ فيه أن الزيارات التي أجراها ولي العهد محمد بن سلمان في الآونة الاخيرة، والتي تنقّل فيها بين اميركا وفرنسا، مصرّحا عبر مجلة "التايمز" الاميركية أن "بشار الأسد لن يرحل في الوقت الحالي"، مشيرا الى أن رحيله لن يكون بالأمر السهل، وأن ذلك قد يكلّف تعارضاً ومواجهة بين اميركا وروسيا في حرب لا احد يريدها في المنطقة بدأت تظهر نتائجها، إذ إن توعُّد الرئيس دونالد ترامب بضربة عسكرية رداً على مجزرة "دوما" ما هو الا شكلياً لتقليم اظافر الاسد والسعي الى التخفيف من سطوة "حزب الله" والحؤول دون اطلاق ذراع ايران اكثر في المنطقة.   

ومن جهته، فإن بعض الاعلام الاميركي والعربي اليوم يجهدُ في تلميع الصورة التذكارية لأسباب ضربة الرئيس ترامب للقواعد العسكرية السورية، محاولين إظهار "الحزم" الدولي تجاه الأسد والتعاطف مع الشعب السوري، الا أن المتابع لملفات المنطقة يدرك جيدا أن لا مكان للانسانية في اللعبة السياسية، وأن الضمير الدولي الذي شاهد بصمت الحرب التي استمرّت لثماني سنوات في سوريا والتي كانوا هم مشاركين فيها من خلال تقديم الدعم للتكفيريين والارهابيين وتأمين السلاح لهم والتي راح ضحيتها مئات الآلاف، والتي لم تستوجب آنذاك كفّ يد الأسد عن البلاد، لن يستيقظ الآن مع استمرار الأزمة السورية الا للدفاع عن مصالحه. وما الضربة العسكرية التي يلوّح بها الرئيس دونالد ترامب سوى رسالة سياسية موجّهة الى روسيا وايران عبر سوريا وعنوانها العريض التقسيم الجديد وليس انهاء الأسد كما يتوهّم البعض. 

ومما لا يقبل الشكّ ابدا، أن الذاكرة العربية تفيض ألماً من الحقد الغربي على العرب، وما بين سجن "بو غريب" وإعدام صدّام وحروب افغانستان وتعزيز دور اسرائيل وغيرها من بصمات الغدر على وجوهنا، شتّان ما بين الاميركان وبين الانسانية، ولعلّ كل ما يجري في المنطقة هو خير دليل على أن قوى الشر قد انحسرت جميعها في الوجود الاميركي ومهما تعالى صدى المثاليات تبقى "شيطانا" بثوب ملاك!     

في المحصلة، وبعد هذا الاستعراض لمجريات الأحداث في المنطقة يبدو أن "نكسة" ستصيب الاتفاق الأميركي- الإيراني في الملفّ النووي والذي تعهّد الرئيس ترامب فور تولّيه الرئاسة بإعادة فتح باب التفاوض فيه على اعتبار أنه يصب فقط في صالح طهران اقليمياً ودولياً ولا يخدم ابداً مصالح الولايات المتحدة، فهل سيكون "هزّ العصا" رسائله عريبة؟ لما لا؟ لطالما كان الوطن العربي دوماً هو الخاصرة الأضعف!!