غريب أمر هذا البلد الذي يمرّر في موازنته العامة المادة 50 التي تمنح بموجبها كلّ عربي أو أجنبي متملّك لشقّة سكنية بقيمة بدءاً من 500 ألف دولار في بيروت، و330 ألف دولار خارجها، إقامة دائمة فيه أي «غير مدفوعة» له ولزوجته وأولاده القاصرين الى حين تركه المسكن... ويقترح في الوقت نفسه، مشروع قانون يُجيز للمرأة اللبنانية (لمساواتها بالرجل) المتزوّجة من غير لبناني حقّ منحها الجنسية اللبنانية لأولادها باستثناء دول الجوار للبنان (أي سوريا وفلسطين) بسبب احترام الدستور ومنعاً للتوطين!!!!!!!
صحيح أنّه في الفقرة «ط» من مقدّمة الدستور اللبناني يُحظّر التوطين بصورة قاطعة كونه خطر وجودي وكياني وديموغرافي يوازي التقسيم والتجزئة إذ تنصّ حرفياً على أنّ «أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللبنانيين، فلكلّ لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتّع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين»، غير أنّ الإقامة، وبحسب مصادر ديبلوماسية عليمة، وإن كانت مؤقتة ومربوطة بتملّك الشقّة، قد تُكسب حاملها الجنسية اللبنانية ليس الآن وحالاً ولكن مع مرور الوقت.
ولهذا، فإنّ كلّ ما يُحكى عن أنّ «التوطين مجرّد فزّاعة»، ليس صحيحاً بل هو حاصل فعلاً، على ما أكّدت الاوساط، خصوصاً مع قرارات كتلك التي اتخذتها الحكومة ومجلس النوّاب بشأن العرب والأجانب. فالمادة 50 من الموازنة قد ضاربت على قانون حقّ تملّك الأجانب الذي يُخرق منذ زمن وفي المناطق اللبنانية كافة، وما من يوقفه أو يضعّ حدّاً له. كذلك فإنّ اقتراح المجتمع الدولي بدمج النازحين السوريين في المجتمعات المضيفة لا رجوع عنه، وإن كان لبنان يُذكّره دائماً بأنّ دستوره يرفض التوطين، وبأنّه بالتالي ليس بلد لجوء.
وأوضحت الاوساط كيف يُمكن أن تتحوّل الإقامة الى تجنيس أي الى توطين بشكل خفي، أو «توطين مقنّع»، على ما قيل، مشيرة الى أنّ لا شيء يمنع من أن يُطالب المقيمون المتملّكون بعد عشر سنوات أو أكثر بمنحهم الجنسية كونه مرّ على وجودهم في لبنان كلّ هذا الوقت، بحجّة أنّهم يقومون بدفع الضرائب والرسوم البلدية، وكلّ ما يتطلّبه المسكن والإقامة المستمرة في هذا البلد من معيشة وطبابة وأقساط مدرسية وما الى ذلك. وذكّرت الاوساط بأنّ التجارب السابقة لا تزال ماثلة للعيان لا سيما منها مرسوم التجنيس الشهير في العام 1994 الذي منح الجنسية للآلاف وصدر في عدد خاص في الجريدة الرسمية، فضلاً عن المرسوم الذي وقّعه رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان في عهده، والذي شمل 112 عربياً وأجنبياً. فمنح الجنسية بشكل جماعي للسوريين والفلسطينيين قد يكون له تداعيات سلبية على لبنان، كونه وجه من أوجه التوطين.
في الوقت نفسه، رأت الاوساط أنّ القول بأنّ منح الإقامة لكلّ من يتملّك شقّة لا علاقة له بالتوطين أو التجنيس، والدليل هو وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ العام 1948 ولا يزالون حتى الآن ممنوعين من حقّ التملّك، إلاّ أنّ المادة الحالية قد منحتهم وبعد طول انتظار هذا الحقّ لا سيما إذا كانوا يمتلكون المال سيما وأنّها لم تنصّ على استثناء الفلسطينيين منها، وبالتالي حقّ الإقامة «الأبدية» لهم في لبنان شرط امتلاك شقة داخل بيروت أو خارجها.
كذلك فإنّ النازح السوري المتمكّن مادياً، والذي يعيش حالياً في شقق سكنية بالإيجار قد استفاد أيضاً من هذه المادة التي تُشجّعه على شراء شقّة والحصول على الإقامة «المؤقّتة» (على ما جرى تعديل المادة 50 في مجلس النوّاب من خلال ربط إقامته بمدّة تملّكه للشقّة السكنية) في لبنان، ما يعني بطريقة أخرى «إقامة دائمة» له ولعائلته أو بالتحديد حلّ لمشكلة دفعه ثمن إقامته وإقامة عائلته سنوياً، ومن ثمّ على الجنسية. فالنازح السوري المتمكّن مادياً يرتاح بالبقاء في دول الجوار ولا سيما في لبنان على أن يتنقّل في الدول الأوروبية التي تمنحه الإقامة الدائمة كونه يعتبر نفسه غريباً عنها وعن مجتمعاتها، ولأنّ لبنان قد حلّ له مشكلة الإقامة. علماً أنّ الهدف من منع التوطين في لبنان هو منع حدوث أي خلل ديموغرافي فيه.
وعن القول بأنّ هذا الأمر معتمد في دول مجاورة مثل قبرص واليونان، بهدف تنشيط القطاع العقاري وتشجيع الإستثمارات الأجنبية وزيادة عدد السكّان وليس بهدف تجنيس الأجانب أو توطينهم، شدّدت الأوساط نفسها، على أنّ لبنان لا يحتاج الى اعتماد هذا الأمر في هذه المرحلة بالذات لأنّه بغنى عن زيادة عدد سكّانه مع وجود مليوني لاجىء فلسطيني ونازح سوري على أرضه. فالبلد لم يعد يتسّع لأهله، فلماذا نلجأ الى تسهيل بيع المزيد من الأراضي لغير اللبنانيين في الوقت الذي لا يتمّكن فيه أبناء البلد من الشباب من تملّك شقّة في وطنهم نظراً لارتفاع الأسعار مقارنة مع الدخل الشهري المتدنّي للفرد فيه؟! كذلك فإنّ لبنان، بحسب رأي الاوساط، لا يُعتبر ساحة لجذب الأجانب أو العرب حالياً للتملّك فيه، وهو يقع وسط سوريا وإسرائيل اللذين يُهدّدان أخيراً بالتراشق بالصواريخ من خلال استخدام أجوائه، ومع عدم توافر الماء والكهرباء فيه وفي ظلّ إنترنت ضعيف.
ومن هنا، فالمطلوب اليوم، مع تصاعد الجدال حول هذه المادة التي جرى إقرارها، الطعن بها لدى المجلس الدستوري من قبل الرؤساء الثلاثة أو عشرة نوّاب، أو تعديل القانون تملّك الأجانب وجعله أكثر تشدّداً، أو وقف البيع لغير اللبنانيين. علماً أنّ ثمّة حالات خداع حصلت في السابق إذ بيعت شقق سكنية للبنانيين بالوكالة وتحوّل امتلاكها بعد فترة لعرب سعوديين وكويتيين وقطريين وغيرهم. فقانون تملّك الأجانب مخروق بشكل كبير، إذ تفيد المعلومات بأنّ ثمّة 1313 مرسوماً متعلّقاً بتملّك هؤلاء لأكثر من 58 مليون متر مربع في سائر المناطق والبلدات داخل بيروت وخارجها. أمّا نسبة ما يسمح به القانون لتملّك الأجانب، فقد جرى تجاوزها في غالبية المناطق بحدود أكثر من النصف.
في المقابل، يقول مصدر قانوني بأنّه «يحقّ لرئيس الجمهورية أن يمنح الجنسية ضمن شروط محددة، وبناء على معايير معينة للذين يستحقّونها من الذين تقدّموا بطلبات التجنيس، على أن تتوافر فيهم الشروط المطلوبة. وهذا الأمر الخطير يجعل البعض يخشون من تمرير مراسيم التجنيس الواحد تلو الآخر، على غرار ما حصل في عهود رئاسية سابقة يكون عنوان مجموعها «توطين الفلسطينيين والسوريين» في لبنان، رغم أنّ الدستور اللبناني يُحظّر التوطين ويرفضه بشكل قاطع، كما أنّ الدولة اللبنانية تتمسّك بحقّ العودة للاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين.