قيل لنا أن الأنبياء، كل الأنبياء، نزلوا هنا.  أين هم ؟
واحداً واحداً نسألهم : هل حللتم في ديارنا فقط لادارة الخراب؟
دونالد ترامب أزاح كل الأنبياء وحل محلهم.  هو الآمر الناهي.  الأتراك، الايرانيون، السعوديون (اسألوا أبا الهول عن مصر) مجرد تفاصيل في اللعبة الأميركية التي باتت تختزل لعبة الأمم.  الاستقطاب الثنائي أو الثلاثي ممنوع.  لا اله هنا سوى الاله الأميركي.
لا ندري لماذا يبشرنا أساقفة الغيب بالخلاص، ولطالما وعدونا بذلك، وقالوا ان المخلّص يدق الأبواب، دون أن ندرك ما المعنى في هذه التورية الوثنية من أن السجادة الحمراء ستكون غابة من الجماجم.  نحن الذين ضربنا الأرقام القياسية في عتمة العقل وعتمة القلب، بل في التبعية والارتهان.  نرجوكم القاء مائة قنبلة نووية علينا لكي لا يبقى منا أي أثر. 
لتقل لنا تلك المومياءات التي على أكتافنا، بالصدور المرصعة بالأوسمة (ألا يستحق دونكيشوت باقة من الزهر؟), لماذا تقفل الأزمة الكورية ، والأزمة الفيتنامية ؟ ولماذا تقفل أزمة البلقان، وأزمة القوقاز، فيما تبقى أزماتنا مشرّعة على الدم وعلى الرماد. هل هذه، حقاً، مشيئة الله كما يشيع الفقهاء، بأدمغة تورا بورا، أم أنها مشيئة الاله الأميركي ؟
لا حل للأزمة الفلسطينية.  لا حل للأزمة السورية.  لاحل للأزمة العراقية.  لا حل للأزمة اليمنية.  لا حل للأزمة الليبية.  أين هي واشنطن التي تقول، منذ ايام أبراهام لنكولن وودرو ولسون، أنها معنية بمؤازرة معذبي الأرض ؟
أكثر من مرة سألنا : ادارة الشرق الأوسط أم ادارة جهنم ؟
لا نلقي تبعة ذلك على الأميركيين فحسب.  على امتداد أكثر من نصف قرن، ماذا فعلت الأنظمة، وسواء بالكوفية أو بالخوذة، من أجل بناء دول تليق بديناميات القرن، ومن أجل بناء مجتمعات تكون على تفاعل خلاق مع جدلية الأزمنة ؟
لا دول.  لا مجتمعات.  الأميركيون أنفسهم يقولون ان ما أنفقه العرب (هؤلاء الذين احترفوا مراقصة الخناجر) في الحروب منذ عام 2011 وحتى الآن يناهز المائتي مليار دولار. أما اعادة الآعمار، بما في ذلك الاعمار البشري، فيحتاج الى تريليون دولار.  ربما الى مائة عام.
لعبة الدومينو لن تتوقف عند الحدود الراهنة.  لاحظوا مهزلة الكلور والغازات الأخرى التي يستغرق تحليلها، وهي التي تتبخر في الهواء، أسابيع عدة.  من الثواني الأولى للقصف الجوي يتم تركيب الصور، وتركيب المواقف، وتركيب الصرخات.
لنتصور، نحن السذّج، أن دونالد ترامب معني بأطفال دوما، وهو الذي يشيح بناظريه عن أطفال غزة، وأطفال خان يونس، وأطفال الخليل.
الكوميديا الدموية أمامنا.  السيـناريوات من التفاهة بحيث باتت مكشوفة لكل ذي نظر.  الأزمات الـتي تمـت برمجتها باقية، باقية، حتى يوم القيامة، مع اقتناعنا بأن أبواب السماء أقفلت في وجهنا .  هل يرى فينا الله أكثر من كائنات أضاعت الحياة، وأضاعت معنى الحياة، بين ليالي شهرزاد أو بين أحذية الغزاة ؟
كل ذلك الصخب الذي أحاط بقصة الكلور، وهي أشبه ما تكون بـ«مقالب غوار الطوشي»، يعني شيئاً واحداً.  ان الأزمة في سوريا صنعت لتبقى.  لا لتدمير ما تبقى من سوريا فحسب، وانما للاستنزاف المنهجي والبعيد المدى للمنطقة.
الكل يصرخون من أجل الاسلام، الكل يرفعون الأذان، والكل يستسيغون الدم، ثم الدم، ثم الدم، كما لو أن الدين لم ينزل من الأعلى للتبشير بالحياة لا من أجل الاقامة في المقابر.
مفكرون، مثقفون، اعلاميون، ضالعون في حفل الجنون.  عرب وهللوا لصواريخ دونالد ترامب، دون أن ينظروا الى خـلفيات ما يحدث، والى آفـاق ما يـحدث.  واشنطن هي من تتولى ادارة المومياءات، وهي من تطحن عظامنا حيناً، ومن تبيع عظامنا حيناً آخر في سوق النخاسة.
هللوا للصواريخ.  هللوا للقبور.  الرجاء لا تسألوا الأنبياء أين أنتم.  انهم يغطّون (مثلنا) في نوم عميق.