على الرغم من أنّ «التيّار الوطني الحُرّ» و«تيّار المستقبل» لم يعقدا تحالفات انتخابيّة إلا في عدد محدود من الدوائر الانتخابيّة، فإنّ علاقة التيّارين هي حاليًا في أفضل أحوالها على حساب الحُلفاء المُفترضين. فما هي أسباب تعزيز التحالف السياسي بين الطرفين، على الرغم من تعثّر التحالفات الانتخابيّة الواسعة بينهما، وما هي الانعكاسات المُرتقبة على الداخل اللبناني؟ 
بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة إنّ التنسيق بين كل من «التيّار الوطني الحُرّ» و«تيّار المستقبل» قائم بوتيرة مرتفعة ومُستمرّة على أكثر من مُستوى قيادي وفي ما خصّ أكثر من ملفّ، حيث تجاوز الطرفان فشل تحالفاتهما الانتخابيّة بسبب تضارب مصالحهما في بعض الدوائر وبسبب خلافات على الحُصص وتباين طموحات كل منهما في دوائر أخرى. ولفتت الأوساط نفسها إلى أنّ التفاهم السياسي بين «المُستقبل» و«التيّار الحُرّ» كبير، وهو يبدأ من ملفّات صغيرة نسبيًا وُصولاً إلى مناصب رئاسيّة عليا. وأوضحت أنّ «التيّارين» مُتفقان مثلاً على خوض معركة ملفّ الكهرباء في وجه كل الأفرقاء السياسيّين، حيث أنّهما يُصرّان على تمرير مشروع استئجار المزيد من البواخر المُنتجة للطاقة، تحت شعار تأمين التيّار الكهربائي للبنانيّين من دون انقطاع، في الوقت الذي تعتبر القوى المُعارضة لهذا المشروع أنّه عبارة عن صفقة ماليّة غير قانونيّة تهدف إلى تلميع صورة «التيّارين» أمام الرأي العام، وستتسبّب بإغراق الدولة في مزيد من الدُيون من دون تأمين الحلّ الجذري لقطاع الكهرباء.
وتابعت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ «التيّارين» اكتشفا أنّ تحالفهما كفيل بتحريك عجلة الدولة، كونهما يُشكّلان معًا قُوّة سياسية جارفة، بفعل سيطرتهما على موقعي رئاسة الجُمهوريّة ورئاسة الحُكومة، وعلى قرابة نصف السُلطة التنفيذيّة، وعلى أكثر من ثلث السُلطة التشريعيّة. والأهداف القريبة المدى تتمثّل في استمرار إحكام السيطرة على مفاصل الدولة، لتأمين نجاح العهد الرئاسي والحكومة الجديدة التي سيتمّ تشكيلها بعد الانتخابات. وبحسب الأوساط نفسها إنّ «تيّار المُستقبل» واثق في أنّه سيكون المُمثّل الأقوى والأكبر للطائفة السنّية، بغضّ النظر عن حجم المقاعد التي سيخسرها، بحيث سيعود رئيس «المُستقبل» إلى موقع رئاسىة الحُكومة من جديد، الأمر الذي يُناسب رئيس «التيّار الوطني الحُرّ» الذي يحرص على تثبيت نظريّة أنّ الجهة الأقوى في كل طائفة تحكم، تمهيدا لمعركة رئاسة الجمهوريّة المُقبلة. وأضافت الأوساط أنّ رئيس «التيّار الوطني الحُرّ» وزير الخارجية حبران باسيل سيدعم بكل قُوّة عودة رئيس «المُستقبل» سعد الحريري إلى موقع رئاسة الحُكومة من جديد بعد الانتخابات، بصفته المُمّثل الأقوى في بيئته، وذلك تمهيدًا لتطبيق المبدأ نفسه عشيّة الانتخابات الرئاسيّة المُقبلة، بحيث يكون رئيس «التيّار الحُرّ» أي الوزير باسيل هو المُمثّل الأقوى ضمن الطائفة المسيحيّة، كونه من المُنتظر أن تكون الكتلة النيابيّة «البُرتقاليّة» الأكبر مسيحيًا، بغضّ النظر عن عدد المقاعد التي سيكسبها أو سيخسرها «التيّار».
وأشارت الأوساط السياسيّة المُطلعة إلى أنّ «التيّار الوطني الحُرّ» يعتبر أنّ تحالفه السياسي مع «تيّار المُستقبل» هو الوحيد الذي يُزيل كل العراقيل أمام إمساكه بالسلطة، بالتنسيق مع «المُستقبل» طبعًا، كون تحالفه الاستراتيجي مع «حزب الله» يُعطيه غطاء قويًا على مُستوى التموضع السياسي العام، ويترك له هامش حركة واسعة على المُستوى الداخلي، وكون تفاهمه مع حزب «القوّات اللبنانيّة» أزال حال التشنّج مسيحيًا، مع ترك حريّة العمل السياسي لكل طرف. وأضافت أنّ «التيّار الحُرّ» يعمل حاليًا على كسب أكبر كتلة نيابيّة داعمة لموقع رئاسة الجمهوريّة وقادرة على تأمين الغطاء التشريعي لمشاريع «الوطني الحُرّ» للحُكم. ولفتت الأوساط نفسها إلى أنّ «المُستقبل» الذي يجهد بدوره حاليًا لتأمين الفوز بأكبر كتلة نيابيّة على مُستوى الساحة السنّية ومُطعّمة بنوّاب من طوائف أخرى على امتداد لبنان، يعتبر أنّ تحالفه مع «التيّار الوطني» يفتح له المجال أمام البقاء في الحُكم وأمام إنجاح الحكومة برئاسته، باعتبار أنّ خلافه مع «حزب الله» هو استراتيجي ولا علاقة له بالتفاصيل الداخليّة، وأنّ عدم إعطاء الأولويّة لحزب «القوّات» في علاقاته الداخليّة، لا يؤثّر في مستوى التموضعات السياسيّة العامة، كون «القوات» ثابتة على المبادئ السياسيّة العامة التي تجمعها بكل مكوّنات فريق «14 آذار» السابق.
ورأت الأوساط السياسية المُطلعة أنّ التحالف السياسي بين «المُستقبل» و«الوطني الحُرّ» أصاب حزب «القوّات» بضرر كبير، كون هذا التحالف جاء على حساب علاقاته مع الطرفين، باعتبار أنّ «الوطني الحُرّ» لم يعد مُهتمًا بأكثر من تهدئة الأمور على الساحة المسيحيّة ولم يعد يريد دعمًا سياسيًا من «القوات» كونه حصل على دعم سياسي أكبر من «المُستقبل». وأضافت أنّ هذا الأخير سبق «القوات» بأشواط في التفاهم مع «الوطني الحُرّ» بحيث أنّ «القوات» كانت قد تقاربت مع «الوطني الحُرّ» وفق جملة من المبادئ السياسيّة، بينما التقارب بين «المُستقبل» و«الوطني الحُرّ» جاء بناء على تفاهمات مرتبطة بالسُلطة وبإدارة ملفّات الحُكم وبتقاسم المشاريع التنفيذيّة. وخلصت الأوساط إلى أنّه إضافة إلى الضرر الكبير الذي لحق بحزب «القوات» من التقارب الحاصل والمُستمر بين التيّارين الأزرق والبرتقالي، كونه جاء على حساب تراجع علاقات كلّ منهما معها، أثار هذا  التقارب الذي يُحاول إرساء ثُنائيّة جديدة على مُستوى الحُكم والسُلطة في لبنان على حساب التوافق الجَماعي، «نقزة» «الثنائي الشيعي»، حيث يحرص رئيس مجلس النوّاب على عدم السماح بقضم سُلطاته وحُقوق الطائفة التي يُمثّلها أيضًا، ويحرص «حزب الله» الذي يراقب بحذر التفاهم بين «المُستقبل» و«الوطني الحُرّ»، على عدم حُصول أي تغيير في السياسة العامة للبنان، وعلى عدم قضم حُقوق أي طائفة أو مذهب أو حزب، انطلاقًا من نشوة النُفوذ المُتفوّق الذي تأمّن بفعل التفاهم السياسي بين «المُستقبل» و«الوطني الحُرّ والذي يبدو أنّه سيستمرّ ويتعزّز بعد الانتخابات، بغضّ النظر عن تفاصيل النتائج التي ستُفرزها.