تُعقد القمة العربية في دورتها التاسعة والعشرين اليوم في مدينة الظهران على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية، على وقع الضربة الجوية الثلاثية لسوريا فجر امس التي أيّدتها السعودية ودول الخليج. وكانت المملكة قد قرّرت نقل مكان انعقاد القمّة من الرياض الى الظهران خوفاً من تهديدات الحوثيين إذ بلغت صواريخهم العاصمة ومواقع حيوية أخرى فيها عدّة مرّات في الآونة الأخيرة، وحرصاً منها على سلامة القادة والرؤساء العرب الذين تستضيفهم القمّة.
وإذ تعوّل السعودية، بحسب أوساط ديبلوماسية عليمة، على نجاح هذه القمة التي تستضيفها على أرضها ويُشارك فيها 18 رئيساً أو ملكاً عربياً، على أن تخرج ببيان ختامي مميّز يتماشى مع المرحلة الحسّاسة التي تمرّ بها بعض الدول العربية، جاءت الضربة الثلاثية (التي شاركت فيها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا) لتُشجّع دول الخليج على المطالبة مجدّداً بالإطاحة بنظام الرئيس السوري بشّار الأسد عسكرياً. وبحسب ما أعلنت الإدارة الأميركية عن أنّ الضربة التي نُفّذت ليست نهائية، فهذا يعني أنّه ستتبعها ضربات لاحقة غير محدّدة التوقيت حتى الآن، الأمر الذي يأتي لمصلحة الدول المؤيّدة للغارات الجوية كحلّ للأزمة السورية.
غير أنّ موقف لبنان ودول عربية أخرى مثل مصر والعراق والأردن، يتعارض مع مواقف الدول الخليجية التي تُحبّذ هذه الضربة، على ما أكّدت، انطلاقاً من أنّها لا تُساهم في إيجاد الحلّ السياسي للأزمة السورية التي دخلت عامها الثامن، على ما تمّ التوافق عليه دولياً من أجل إنهاء الصراع الدائر فيها، إنّما تُعقّد الأمور أكثر لجهة وقف مفاوضات جنيف وكذلك الآستانة التي كانت الدول الكبرى تسعى لانعقادها بغية الخروج بحوار بين السلطة والمعارضة توصّلاً الى حلّ سياسي نهائي للأزمة. فهذا الحلّ من شأنه وقف تداعيات هذه الأزمة على الشعب السوري في الداخل، كما على الدول المجاورة والدول الأوروبية التي تعاني من تفاقم النزوح السوري فيها، ولهذا فإنّ لبنان يؤيّد دائماً هذا الحلّ الى جانب بعض الدول العربية.
وتتساءل: هل سيدبّ الخلاف بين الدول العربية في القمّة حول هذا الموضوع، رغم أنّ سوريا لن تحضره كون عضويتها معلّقة في الجامعة العربية، نظراً لما يحمله الحلّ العسكري من تداعيات على دول المنطقة ككلّ؟! وهل ستتوجّه الأنظار الى سوريا بدلاً من فلسطين التي لا تزال تنتظر انسحاب الإسرائيليين من أراضيها المحتلّة، على غرار لبنان وسوريا، فضلاً عن وقف الاستيطان فيها وعدم جعل القدس عاصمة لإسرائيل، على ما قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟!
إنّ موضوع الضربة الأميركية سيُضاف الى كلمات وخطابات القادة العرب، وسيكون حاضراً على طاولة البحث، على ما شدّدت الأوساط نفسها، سيما أنّ السعودية قد تتخذه كمثال للجم الحوثيين في اليمن الذين لا يتوانون عن تهديدها بالقصف الصاروخي. فالصواريخ الأميركية باتجاه سوريا، من الممكن أن تتحوّل لجهة اليمن إذا ما استمرّ الحوثيون بتهديد أمنها واستقرارها، على ما ترى السعودية، وهذا ما ستتحدّث عنه بهدف وقف تهديدات الحوثيين لها. وستقوم السعودية والدول الحليفة لها باتهام إيران بتأجيج النزاع في سوريا لدعمها النظام سياسياً وعسكرياً. فيما سيُندّد بعض الرؤساء بمخاطر توالي الغارات الجوية على سوريا، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يرى أنّها تؤخّر وتعيق الحلّ السياسي في سوريا بدلاً من أن تسرّعه، مؤكّداً على ضرورة عدم إدخال المنطقة في وضع مأزوم أكثر، والحدّ من تدخّلات الدول الكبرى في الأزمة السورية، بل لصبّ المزيد من الجهود لإيجاد الحلّ السياسي الشامل لها عن طريق الحوار والمفاوضات.
غير أنّ الدول العربية سترفض في بيانها الختامي كذلك، على ما أشارت، الخطوة الأميركية بنقل سفارتها الى القدس قبل نحو شهر على ذلك، معتبرة هذا القرار «باطلاً  ويُشكّل خرقاً خطراً للقرار الدولي وقرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة. لكنّ الأمر يتوقّف هنا عند الإدانة بالنسبة للرؤساء والقادة العرب، أمّا ترامب فلن يوقف القرار الذي أعلنه بنقل السفارة، والدليل أنّ الإجراءات اللوجيستية لنقل سفارة بلاده تجري حالياً على قدم وساق بين تلّ أبيب والقدس، من دون أن يوقفها أو يعرقلها أحد.
كما سيتمّ التطرّق الى موضوع التصعيد في اليمن (كما في ليبيا)، وستسعى السعودية الى التعبئة ضدّ إيران التي تتهمها بالتدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وذلك قبل أيام من القرار الأميركي المنتظر الذي قد يؤدّي الى انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الغربي (مجموعة الخمس زائد واحد) - الإيراني.
وبعد مناقشة مواضيع الضربة على سوريا، والوضع في اليمن، والقضية الفلسطينية ومسألة القدس، سيتمّ التطرّق كذلك الى مسائل أخرى مثل مكافحة الإرهاب، والتدخّلات الإيرانية في دول المنطقة، وستعرض كلّ دولة للورقة التي تتعلّق بها. وبالنسبة للبنان فإنّ الدول العربية ستتابع تضامنها معه وتشجّعه على إجراء الانتخابات النيابية في 6 أيّار التي سينبثق منها المجلس النيابي الجديد. وسيتحدّث الرئيس عون في كلمته التي يُليقيها اليوم في القمّة عمّا حقّقه لبنان من إنجاز في مكافحة الإرهاب ودحر التنظيمات الإرهابية التي كانت تهدّد حدوده ومناطقة الداخلية، وسيتناول مسألة التهديدات الإسرائيلية له والخروقات المستمرة من قبل إسرائيل للسيادة اللبنانية برّاً وبحراً وجوّاً. كما سيتمنّى على الدول العربية السعي الى الجلوس الى طاولة الحوار لحلّ الخلافات العربية انطلاقاً من ضرورة تعزيز الوحدة العربية. كما سيُشير الى أنّ إعادة النازحين السوريين الى المناطق الآمنة في بلادهم بات حاجة ملحّة نظراً لما يتكبّده لبنان من أعباء هائلة تفوق قدرته على التحمّل والاستمرار في استضافتهم، ويجدّد التأكيد على حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم، وعلى رفض اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.