جاء هجوم اليوم أعنف من ذلك الذي وقع قبل عام، وشمل ثلاثة أهداف وليس هدفا واحدا. 

في الهجوم السابق كانت الولايات المتحدة وحدها، ولكن انضم إليها اليوم حليفتاها بريطانيا وفرنسا.

وعدد القذائف التي أطلقت اليوم على سوريا أكثر من ضعف التي أطلقت في الهجوم السابق، أي أكثر من 120 في العدد الإجمالي.

ولكن يظل السؤال الرئيسي كما هو فهل فعل الأمريكيون ما يكفي لتحقيق هدفهم وهو منع الأسد من استخدام السلاح الكيميائي ثانية؟

انتصار الأسد

منذ أبريل/نيسان الماضي ومعاناة سوريا مستمرة، ولكن هناك عاملان أساسيان قد تغيرا.

العامل الأول، أن الأسد انتصر فعليا في الحرب وترويع المدنيين كان عاملا رئيسيا في استراتيجيته.

وربما لا يسيطر الرئيس الأسد على كل سوريا، ولكن بفضل الدعم الروسي والإيراني لا يمكن لأحد الوقوف ضده. وما يعوقه عن فرض سيطرة أوسع نطاقا هو نقص العدد والعدة.

والعامل الثاني أن العلاقات بين واشنطن وموسكو وبين روسيا والغرب عموما تدهورت بشكل حاد لدرجة أن مسؤولين دوليين رفيعي المستوى يتحدثون حاليا عن حرب باردة جديدة.

هذا هو السياق الذي صمم فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نقل رسالة عقابة لنظام الأسد، وهذا هو السياق الذي تلقوا فيه الرسالة.

فهل سيخاف نظام الأسد أم يتحدى؟ وهل الطنطنة العلنية تخفي إعادة حسابات من جانب نظام الأسد؟ هل لروسيا كلمة عند الزعيم السوري؟ ولو كان لها كلمة هل هي مؤثرة؟

تشتت ترامب

ما يبدو من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو ضعف التركيز والوضوح حيث يغرق الرئيس نفسه بشكل متزايد في مشاكله وصعوباته الداخلية وتطارده مزاعم بشأن علاقات وسوء سلوك في الماضي.

ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم في الأسبوع الماضي بموقف ترامب من سوريا كانت وسائل الإعلام الأمريكية مشغولة بالصعوبات والمشاكل التي يواجهها ترامب في الداخل.

وفي الوقت الذي تحدث فيه ترامب عن عمل عسكري كبير ما حدث في الواقع جاء مختلفا. فما الذي تستنتجه موسكو ودمشق من ذلك؟

أهداف الهجوم

وظهر في هذا الهجوم أن البنتاغون عمد إلى تجنب كل من المدنيين و "الأجانب" ومن الواضح أن المقصود هم الروس.

فقد تم اختيار الأهداف الثلاثة ليس فقط لدورها المحوري في برنامج الأسلحة الكيميائية، ولكن لتقليص الخسائر إلى أدنى حد.

وقال رئيس الأركان المشتركة إن الولايات المتحدة لديها قائمة بأهداف أخرى لم تخترها للهجوم، وذلك في رسالة واضحة مفادها أنه لو استخدم الأسد الأسلحة الكيميائية ثانية فإن المزيد من الهجمات ستقع.

ولكن منذ أبريل/نيسان الماضي وقع عدد من الهجمات الكيميائية المزعومة استخدم فيها بصفة عامة غاز الكلورين، ولكن الولايات المتحدة لم تهاجم إلا الآن فما هي الرسالة التي تريد نقلها؟

الأمل الآن أن يغير الأسد سلوكه. ولكن ماذا عن النزاع الأوسع في سوريا؟ فهذه الحرب الوحشية لا تظهر أي مؤشرات على نهايتها. والكثيرون يشيرون للبراميل المتفجرة والمدفعية والرصاص وهي الأسلحة المسؤولة عن الغالبية الساحقة من حالات القتل والتشويه في سوريا وليس السلاح الكيميائي الذي حفز التحرك الغربي.

ورغم أن السلاح الكيميائي يثير على نحو خاص الذعر في الغرب عقب استخدامه في الحرب العالمية الأولى فإن المعاهدة التي تحظره بمثابة اتفاقية مهمة لنزع السلاح وضعفها يهدد بتقويض سنوات من التقدم.

ولكن السؤال هو إلى أي مدى سيغير الهجوم الأخير الصورة في سوريا؟ هل يدفع بالصراع إلى نهايته؟ وللأسف فإن الإجابة غالبا هي لا.

فمنذ فترة قصيرة كان ترامب يتحدث عن سحب القوات الأمريكية من سوريا وبعدها بأيام هدد بعمل عسكري كبير ومن هنا لا يبدو أن هناك اتساقا في موقف إدارة ترامب.

وببساطة لا توجد استراتيجية واضحة للمساعدة في إنهاء الحرب. وإحدى حجج المطالبة بإبقاء القوات الأمريكية هناك هي دعم الحلفاء المحليين مثل الأكراد في مواجهة نظام الأسد وحلفائه الإرانيين.

ويبدو أن تقييد إيران هو الشيء الوحيد الذي تجمع عليه إدارة ترامب، ورغم ذلك لم يرق الأمر لوضع استراتيجية متماسكة. ففي بيانه بعد الهجوم شدد ترامب مجددا على أن واشنطن لا تسعى لوجود لا نهائي في سوريا.

صعود روسيا

رغم دعمها السياسي والعسكري للأسد فإن روسيا تقدم نفسها في المنطقة كلاعب دبلوماسي مميز. وبالطبع حذرت موسكو واشنطن وحلفاءها من شن هجوم على سوريا. إذن ما الذي ستفعله موسكو عقب الهجوم؟

في سوريا نفسها قد تسعى للحط أكثر من الدور الأمريكي الضعيف فعلا، ولكنها لن تذهب لحد شن حرب ضد الأمريكيين.

وقال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس:" نتوقع حملة مضللة خلال الأيام المقبلة من قبل أولئك الذين يدعمون الأسد."

وبالفعل بدأت هذه الحملة حتى قبل الهجوم عندما أعلن الروس أنه لا يوجد دليل على وقوع الهجوم الكيميائي المزعوم ثم زعموا أنها مسرحية أخرجها عملاء أجانب لتشتيت الانتباه عن الأسد وموسكو.

إنها نفس روسيا التي تعتقد أغلب الحكومات الغربية أنها وراء محاولة اغتيال ضابط استخبارات روسي سابق وابنته في مدينة سالزبوري الإنجليزية باستخدام غاز الأعصاب، وهي روسيا ذاتها التي حاولت التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية. إنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي استولى على جزء من أوكرانيا.

الحرب الباردة

ويبدو أن هناك نوعا جديدا من الحرب الباردة في طور الظهور ربما لا يكون فيها خطر إبادة نووية ولكن ربما بسبب ذلك قد يكون هناك أمور كثيرة غير متوقعة حيث تغامر موسكو بشكل أخطر كثيرا مما كانت تفعل في الماضي.

فروسيا ليست قوة عظمى كالاتحاد السوفييتي، وليس لديها أيديولوجيا مدعومة من حركات التحرر في أنحاء العالم، فهي حاليا قوة إقليمية متوسطة، وتتمتع بترسانة نووية مميزة، وتعاني اقتصادا ضعيفا نسبيا، ولكنها تعرف كي تؤثر وكيف تدير المعلومات وبوتين مصمم على الدفاع عن مصالح روسيا كما يراها.

وهذه المصالح تعني المجال الحيوي القريب لحدود روسيا مثل جورجيا وأوكرانيا. وليست سوريا بهذا القرب ولكنها تمنح موسكو مدخلا لاستعادة نفوذها في المنطقة فالنجم الروسي في صعود في حين يأفل نظيره الأمريكي.

وذلك أمر مهم مع تفاقم عدم الاستقرار في المنطقة. فآثار قرار إدارة أمريكية سابقة بإزاحة صدام حسين من الحكم في العراق مازالت سارية، فقد كانت إيران المستفيد الرئيسي من القرار حيث باتت لاعبا رئيسيا في المنطقة.

وتزايد النفوذ الإيراني في سوريا يهدد بمواجهة كبيرة مع إسرائيل. ويعتقد أن إسرائيل هاجمت مؤخرا قاعدة سورية يوجد بها منشأة إيرانية.

فالتوتر يتصاعد في المنطقة والهجوم الثلاثي الأمريكي البريطاني الفرنسي يلقي حجرا آخر في مياه المنطقة.