«أنا أطالب بأخذ ثأر جدي من اليونان كما قال السيد دولت بهتشلي رئيس حزب الحركة القومية، فيجب إن تسحق الأناضول اليونان مرة أخرى، ولا يستطيع أحد الحيلولة دون ذلك، واطالب اليونان بأن تلزم حدودها في التعامل مع تركيا، فغير ذلك ستكون النهاية سيئة إذا استمرت اليونان في التحرش اللفظي كما كانت تفعل قـــبل 100 عام معتمدة على فرنسا وإنجــلترا وأمــيركا».
بتلك التصريحات خلال مشاركته أول أمس في برنامج تليفزيوني على قناة TRT التركية الحكومية اطلق الصحفي الشهير يغيط بولط نيرانه على الجانب اليوناني، بعد ايصال رسائل اردوغان لنظيره اليوناني، على خلفية التوتر المستمر بين اليونان وتركيا.
وتلك التصريحات جعلتنى انظر لحال الصحافة التركية وحقيقة امرها، وليس على العلاقة بين تركيا واليونان المعلومة للجميع، فبرغم كل ما تشاهدون من حملات اعتقال لا أول لها من أخر لصحافيين وغلق لقنوات تلفزيونية وشبكات اعلامية بأكملها في تركيا، كان أخرها حكم المدعي العام باسطنبول بسجن 13 صحفياً بجريدة جمهورييت 15عاما، فما زال هناك مساحة كبيرة للصحفيين والاعلاميــين في تركيا ولكن بشرط، أن يكون وصولك للصحافة أو الاعلام عبر حزب العدالة والتنمية، وأن تكون كامل رؤيتك متفقة مع رؤية وأفكار أسد الاسلام ومجدد العقيدة وحامي الامة رجب طيب أردوغان، حينها ستكون وظيفتك لا صحفي سياسي او اقتصادي او رياضي ...الخ، ولكن «صحفي اردوغاني»، وهو المصطلح الشائع بين العامة في تركيا.
فغالبا ما يكون لكل نظام حاكم في العالم مجموعة من المنافقين الذين احترفوا المداهنة ويهللون لكل كبيرة وصغيرة وينشدون المديح للرئيس ليلا نهارا وعلى الخطأ قبل الصواب، وان كنا نبحث عن ذلك الشخص في بيت العثمانيين الجدد ومن حول أردوغان، فأننا سنجد كثيرا بل وكثيرا جدا، ولكن يبقى هناك المميز من هؤلاء فاذا كان الصحفي والمحاور التركي الشهير محمد بارلاس الذى بات ظهوره على التلفزيون التركي مقتصرا على القاء شعر الغزل في الرئيس اردوغان وليس التحليل السياسي والتى كان اخرها ابيات غزل «سيدي الرئيس أردوغان أنت مثل العسل تماما»، ورجل الاعمال التركي أدهم صانجاق الذي أعلن في أكثر من مناسبة الجهاد في سبيل الدفاع عن راية اردوغان حتى أصبح هتافه بكل حوار تلفزيوني «ان ابي وامي وابنائي فداء لك يا أردوغان»، ومن قبل كل هؤلاء ياسين أقطاي نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، والموجه الاول للاعلام التركي والاعلام الاخواني بالشرق الاوسط، والذى قام بتغيير كلمات نشيد مدح للرسول (ص) لمدح أردوغان قبل الانتخابات البرلمانية الاخيرة، فأن كل ما سبق لا يساوي شيئاً بجوار ما يقدمه مستشار أردوغان الاقتصادي يغيت بولط وما يملكه من قدرة مدهشة في مدح السلطان اردوغان الاول.
وبالتأكيد على ذكر هؤلاء لم ولن ننسى يغيت بولط يوم أن أبكي أنصار جماعة الاخوان وحريم السلطان بالمسكونة، عندما قال: «لدي مسدسان ومئات الرصاصات بذخيرتي ومن يفكر بالمساس بإردوغان بسوء عليه أن يقتلني انا أولا».
ويعد يغيت بولط (مواليد 1972م بولاية ادرنة) صاحب اللسان الفصيح والقلم القريب للرئيس التركي، وحلقة الوصل الرئيسية بين مجتمع ودوائر رجال الاعمال ودائرة الرئاسة فمن صحفي مجهول الى عضو بمجلس ادارة مجموعة «خبر تورك» الاعلامية 2009م ثم رئيس تحريرها، مرورا بمنصب كبير مستشاري رئيس الوزراء، ثم مستشار الرئيس الاقتصادى يوليو 2013، وصولا لكبير مستشاري الرئيس التركي.
نعم هي رحلة طويلة مع أردوغان وكثيرا ما تسبب في أزعاج أردوغان وجلب المشاكل له، وكثيرا أيضا ما أضاف لاردوغان نقاطاً أيجابية، وتظل الصدمات الكبرى هي السمة الرئيسية لعلاقة المستشار الاقتصادي يغيت بولط مع مهندس الاقتصاد التركي على بابا جان ووزير المالية محمد شيمشيك في كل مراحل العثمانيين الجدد، حتى كثيرا ما طلب على بابا جان من داوود أوغلو وقت أن كان رئيسا للوزراء بالحد من نفوذ بولط، وعدم ترشيحه للبرلمان وهو الامر الذى جعل الحرب بين بولط وبابا جان تخرج من الظلام الى النور وتأخذ منعطفات أشد حدة، ولكن يبقى أبن ولاية إدرنه نافذة أردوغان على رجال الاعمال وصاحب كل جملة مفيدة تخص الاقتصاد التركي تعرض في التقارير المقدمة للرئيس.
ولا يغيب عن أحد طبيعة العلاقة المتوترة دوما التى كانت بين مهندس الاقتصاد التركي ووزير خارجيتها الاسبق على بابا جان الذى أعد أولى خطوات تركيا الاقتصادية نحو منافسة الكبار، واول من بدأ مشوار الضغط الدبلوماسي مع الرئيس السوري بشار الاسد للضغط عليه للتوقيع على مذكرة شروط الابقاء بنيابة عــن كولن باول وزير جارجية الولايات المتحدة الاميركية في ذلك الوقت الذى فشل في أبتزاز وتهديد دمشق مع يغـيت بولط، ونفس الامر بين مداح أردوغان الاول مع الرجل الممسك بكافة الملفات الهامة بوزارة الخارجية ومن يدير سياسة تركيا الخارجية فعليا ويدير التنسيق مع مـدير استخباراتها بتناغم متوافق دائما ومن كان أكثر المرشحين لتولي منصب مدير الاستخبارات التركية في حالة ترك هاكان فيدان لمنصبه الا وهو فريـدون ســينـيرلي اوغلو صاحب التاريخ السياسي الطويل والقدرة العالية على أستيعاب المتغيرات الخارجية بسرعة شديدة.
ومع ذكر اقلام اردوغان المخدرة للرأي العام، لايفوتنا تسليط الضوء على القلم الذى كتب أغلب خطابات اردوغان على مدار أكثر من عشر سنوات، وهنا سنقف عند صاحب القلم المؤثر بشدة في الرئيس التركي نفسه قبل مؤيدي وأعضاء حزب العدالة والتنمية والرأي العام التركي، الا وهو الصحفي «أيدن أونال» ناظر صحافة حزب العدالة والتنمية ومدرسها الاول، والجلاد الاول لمعارضين الرئيس التركي.
فاذا كتب أيدن أونال مصطلح سياسي جديد اليوم أعلم أن باقي صحفيين النظام سيسيرون على قلمه غدا، فهو صاحب أغلب خطابات أردوغان وتصريحاته الرنانة، وكثيرا ما غير الوزراء والمسؤولين الاتراك رؤيتهم وتعاملهم في أمر ما بعد مقال لـ أونال، حتى لقب بعام 2010م، الجندي المجهول في صناعة القرار التركي وحقيقة الامر لم تكن تلك مبالغة، فقد كتب أونال ما يقرب من ثمانية الاف صفحة على مدار عشر سنوات كخطابات للرئيس التركي ورئيس الوزراء وغيرهم من المسؤولين.
ويعد أونال الذى بزغ نجمه مـنذ عام 2007م لكي يتــدرج بعدها ويتولى منصب مستشار وزير الاقتصاد ثم مستشار رئيس الوزراء ثم مستشار الرئيس قبل أن يســتـقيل من ذلك المنصب بحجة حالته الصحية التى لم تعد تتحمل المتاعب لكي يخوض بعدها صراع الانتخابات التمهيدية لحزب العدالة والتنمية، كي تفتح له المجال بعد ذلك في الدخول لغمار الانتخابات البرلمانية 2015وهنا أظـهر أونال قوة جديدة له بين الاوساط الجماهيرية المختـلفة لولاية انقرة بعد أن استطاع حسم الصراع الانتخابي بها والفوز بالمقعد الخامس عن المنطقة الثانية لولاية أنقرة.
أخيرا وليس أخرا كلمة «حرية الصحافة» في تركيا ليس لها اي معنى، أن كان ما يوجد بها يسمى صحافة أصلا، وتحولت كل الابواق فيها الى بوق كبير للتنظيم الدولي لجماعة الاخوان موجها لكل بلد حسب لغتها ولهجتها، وبالداخل أنفرد رجال اردوغان بالشاشات والاعلام والصحافة، والغريب أن دول الغرب وفي المقدمة بريطانيا التى تقلب الدنيا رأساً على عقب في اي دولة عربية عند حدوث أي شيىء يخل بمفهومها للحريات، لا نسمع لها أي تنديد او تعليق حتى على ما تشهده تركيا من مشاهد تعدت مراحل القمع بكثير.