قمة فوق جبل من الجماجم. القمة العمياء...
الذين احترفوا، منذ أن اعتلوا العروش، انتعال الجماجم بدل الأحذية. لا عيون. لا آذان. لا أفئدة. لا ضمائر. قعقعة المال تتقاطع مع قعقعة السيوف. انعدام تام في الرؤية، كما لو أن الخرائط لا تزداد تزعزعاً وتزلزلاً..
متى يدركون أن الخارطة الملكية لا يمكن أن تبقى كما هي. لعبة الدومينو، وهي لعبة الرياح، لن تتوقف عند العباءات التي تظهر أننا ما زلنا في ذروة البداوة، وأننا بعيدون عن القرن بعد السلحفاة عن القمر.
يقولون ان ايران تستخدم الايديولوجيا، بالايقاع الجنائزي، لفرض واقع جيوبوليتيكي في المنطقة، مع أن خطوطاً حمراء لا تحصى وضعت أمام آيات الله. خطوط حمراء حتى على الخبز، حتى على الهواء.
ولكن ألا ياكل النيوعثمانيون لحومنا ؟ ألا يطحن الاسرائيليون عظامنا وعظام آبائنا؟
مقاربة منطقية للبانوراما السوداء. كل تلك التريليونات من الدولارات التي ذهبت الى السلاح، كل تلك الأساطيل التي ترابط في غرف نومنا، أين كانت حين كانت ايران تزحف تحت ثيابنا؟
يا صاحبي، كيف لشهريار أن يغدو سيف بن ذي يزن، أو عقبة بن نافع، أو صديقنا... بيسمارك؟
المقاربة المنطقية تقضي بتشكيل محكمة جنائية عربية لمحاكمة أولئك الذين كانوا في قصورهم، في يخوتهم، بين قدمي شهرزاد، حين كان الايرانيون يزحفون، ويفرضون حضورهم، ويؤازرون من اقتلعوا ظلال يوشع بن نون من جنوب لبنان.
لاحظتم أن أحمد أبو الغيط لا يتقن قراءة العربية. أداؤه كان فضائحياً. كان فضائحياً أكثر حين اعتبر أن اليمن الفناء الخلفي للمملكة، دون أن يدري، وهو لا يدري، ماذا كانت سبأ، وماذا كانت مأرب، وماذا كانت حضرموت، وماذا كانت المكلاً، وماذا كانت صنعاء، وأين ظهرت ناطحات السحاب في التراث البشري.
لولا كلمة رئيس لبنان لكانت الكلمات تليق بالقهرمانات، وتليق بالقردة. أي نظام لا يتعامل مع رعاياه على أنهم القهرمانات، وعلى أنهم القردة؟
مخجل الذي حصل. أن ترغم صواريخ الحوثيين، الحوثيين الحفاة (رغيف من الخبز على مدى 24 ساعة)، أصحاب الجلالة، وأصحاب الفخامة، على الهرب من الرياض الى الظهران. الى أين كان يمكن أن يهربوا لو أنها صواريخ آيات الله لا صواريخ أنصار الله؟
الرئيس ميشال عون كان الوحيد الذي طرح الأسئلة. الذي هز الأدمغة وهز الضمائر، قبل أن يكتشف، وهو الذي يعلم, أننا في زمن الأدمغة الميتة، الضمائر الميتة.
أجل، وكما سأل رئيس الجمهورية: الى أين؟؟
ليقل لنا أولئك المعلقون الذين يكتبون على جدران المقابر. الذين هللوا، وهم غواني ( وغانيات) البلاط، للغارات الصاروخية، والذين تطربهم مواقف بوريس جونسون ونيكي هايلي، ماذا فعلت القمة التي وصفها البعض بـ«قمة الأرانب»؟
لا شيء. لا شيء على الاطلاق سوى تلك اللحظات الفولكلورية المملة، الثقيلة الظل، وحتى التافهة. أي أمة نحن، أي بشر نحن، حين ترتعد فرائص رئيس أكبر دولة عربية أمام صواريخ الحوثيين؟
لا شيء عن دولنا الجريحة سوى الضغينة أو اللامبالاة. لا شيء عن انقاذ المنطقة من الاعصار الذي كما لو أنه يقتفي أثر النصوص التوراتية حيث لا يبقى منا غير الركام.
انه الرقص، كما القبائل الهمجية، وهكذا نحن، حول أكوام الحطب.
تعلمون أي أميركا في الظهران. ألم يكن من الأفضل، حفاظاً على أرواح المومياءات، عقد القمة على حاملة الطائرات «هاري ترومان»، وقد حملت اسم الرئيس الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشيما، واعترف باسرائيل بعد ربع ساعة من اعلان دافيد بن غوريون قيامها.
ما قامت به القمة أنها عرّتنا، نحن العراة، أكثر فأكثر. لا رؤية استراتيجة، لا لمسة استراتيجية، بل اجترار ميكانيكي لمقامات بديع الزمان الهمذاني.
كثيرون هناك كانوا يرقصون حول ذلك المال الغبي، حول تلك العباءة الغبية. لا أفق. اننا نتهاوى لا كحجارة الشطرنج, بل كحجارة حائط مهجور...!