جوزيف ضاهر





كل الخدمات التي تقدّمها شركات استطلاع الرأي لهذا الفريق أو ذاك، لا تغيّر شيئاً في الوقائع الانتخابية التي تبقى نتائجها مرهونة بإرادة الناس، هذه الارادة التي تثبيت حقيقة راسخة، مفادها أن أي حزب أو فريق غير قادر على ضمان فوز لوائحه كاملة، والتسليم المسبق بتقليص حصته النيابية التي امتلكها في انتخابات الـ2009، في ظلّ قانون جديد قادر على تفجير مفاجآت تصدم الكبار قبل الصغار.
لا خلاف على أن كلّ الكتل الكبيرة، تتحضّر نفسياً لخسارة عدد من مقاعدها، بعد انتفاخ حجمها النيابي وارتكازها الى النظام الأكثري وقانون الستين، وإن كان الثنائي الشيعي أقلّ تأثراً وضرراً من غيره، في وقت يجمع كلّ خبراء العملية الإنتخابية، على ثابتة أن تيار «المستقبل» هو الخاسر الأكبر في هذا القانون، ومرشّح ليفقد ما يزيد عن ثلث أعضاء كتلته النيابية الأكبر منذ العام 2005.
التيار الأزرق يسلّم بدوره بخسارة محتومة وفقدان الغلبة في برلمان 2018، إن على صعيد كتلته النيابية الصافية، أو على صعيد حصّة حلفائه، وبالتالي لم يعد بمتناول ما يسمّى قوى «14 آذار» أغلبية (النصف + 1)، التي تمكنها من اسقاط قوانين عادية، لكنّ نائباً بارزاً في «المستقبل» يلفت الى أن «التراجع لن يكون محصوراً بتياره فحسب، لأن كلّ الكتل ستخسر نواباً في البرلمان الجديد».
واستباقاً للنتائج المنتظر أن تحمل مفاجآت غير سارّة، يرفض قياديو «المستقبل» تحميل الرئيس سعد الحريري مسؤولية النتائج المخيّبة إن حصلت، بزعم قبوله بقانون أفقده الأكثرية وأوصله ضعيفاً الى المجلس النيابي ورئاسة الحكومة ربما، وفي تقدير النائب المستقبلي «من الطبيعي أن يكون التيار أكثر الخاسرين، لأنه التيار الأكبر ولأن كتلة «المستقبل» هي الكتلة الأكبر في المجلس النيابي»، لكنه شدد على أن التيار «سيبقى صاحب أكبر كتلة نيابية في المجلس، بخلاف كل التوقعات والاستنتاجات واستطلاعات الرأي»، داعياً الى انتظار ما ستفرزه صناديق الإقتراع، متوقعاً أن «لا يقلّ عدد نواب الكتلة عن 25 نائباً بالحدّ الأدنى».
ويبدو أن تيار رئيس الحكومة له ما يكفي من المبررات للتخفيف من وطأة النتائج، إذ يشدد النائب في كتلة «المستقبل» على أن «الكتلة الجديدة ستكون أقوى من الكتلة الحالية، لأن أعضاءها هم مستقبليون مئة بالمئة، بمعنى أنها ستكون كتلة حزبية صافية، وأعضاؤها ملتزمون بقرارات التيار  وخياراته، وخالية من الحلفاء والأصدقاء، الذين كانوا محسوبين على «المستقبل» في السياسة، وفي نفس الوقت يغردون خارج سربه، بحجة أن لديهم استقلاليتهم ومقارباتهم المختلفة، التي غالباً ما كانت تحرج قيادة التيار ورئيسه بالذات».
في هذه الأيام تبدو ماكينة «المستقبل» الانتخابية غارقة في مهمّة التواصل مع القواعد الشعبية، سواء في العاصمة أو المحافظات، وهي لا تتردد في زيارات ميدانية الى العائلات الكبرى في منازلها، والتواصل مع كلّ بيت سنّي ليس في صفوف الملتزمين فقط، إنما في المحايدين بشكل أكبر، لتشجيعهم على النزول بلا تردد وممارسة حقهم في الاقتراع، بهدف رفع الحاصل الانتخابي، الذي يؤدي الى إضعاف الخصوم، ويؤكد أحد مسؤولي الماكينة الانتخابية أن الأسبوع الذي يسبق موعد الانتخابات، وبالحد الأقصى في الأول من أيار المقبل، ستنصب الجهود على توزيع الأصوات التفضيلية بالتوازي على مرشحي «لوائح المستقبل»، لضمان فوز العدد الأكبر من أعضائها.
وإذا كانت الاستطلاعات بكل اتجاهاتها، تتوقع أن لا ينال «المستقبل» أكثر من 18 نائباً بأفضل الأحوال، ما يعني خسارته لـ40 بالمئة من عدد نوابه البالغ حالياً 33 نائباً، يؤكد المسؤول في الماكينة الزرقاء، أن التيار «مرتاح في المبدأ لوضعه، وهو يضمن حتى الآن 25 نائباً بأضعف الاحتمالات، ويقول «لا يحتاج الأمر الى كثير عناء، حساباتنا دقيقة جداً،  فالتيار سيفوز بـ 6 نواب في بيروت الثانية، وواحد في بيروت الأولى، 4 في دائرة الشمال الأولى (عكار)، 6 في الشمال الثانية (طرابلس، المنية والضنية)، واحد في دائرة الشمال الثالثة (أي فريد غصن في الكورة)، واحد في صيدا ـ جزين (بهية الحريري)، 2 في الشوف (محمد الحجار وغطاس خوري)، 2 في البقاع الغربي، نائب واحد في زحلة، ونائب واحد في دائرة بعلبك الهرمل.
ولا تنكر قيادة «المستقبل» أن ثمة شخصيات سنية ستكون لها حضورها في الانتخابات، وهي ستخرق لوائح التيّار عبر مرشحين لهم حضورهم  الشعبي وخدماتهم وعلاقات تراكمية بعملون عليها مع الناخبين منذ سنوات، مثل الرئيس نجيب ميقاتي والوزيرين السابقين أشرف ريفي وفيصل كرامي في طرابلس، ولا تستبعد أن يخرق مرشّح «جمعية المشاريع (الأحباش) في بيروت الثانية عدنان طرابلسي المدرج على لائحة الثنائي الشيعي، وأن يفوز النائب السابق أسامة سعد المقعد السنّي الثاني في صيدا، بدل مرشّح التيار المحامي حسن شمس الدين، وأن يخرق الوزير السابق عبد الرحيم مراد اللائحة في البقاع الغربي، ويفوز بأحد المقعدين السنيين في هذه الدائرة.
الإعتراف الواضح بإمكانية تحقيق هذا الخرق في مقاعد سنيّة، يعكس صورة المفاجآت التي يستعدّ «المستقبل» لإمتصاصها في الدوائر التي كان يكتسح مقاعدها بالكامل، خصوصاً وأن التيار ليس بوارد استمالة ناخبين بالمال، وهو غير قادر على ذلك الآن، لأنه لا يمتلك السيولة الكافية لضخها على مستوى لبنان، بالنظر لظروفه المالية الصعبة، علماً أن هذه الفرضية، لا تلغي بتقدير قياديي التيار الأزرق مفاجأة في المقلب الآخر، قد تعطي التيار مقاعد لم يكن يتوقعها، لكنه يقاتل من أجلها حتى النفس الأخير.