بعد 18 جولة مفاوضات على مدار 7 سنوات كاملة عقدها الجانب المصري مع كل من أديس أبابا والخرطوم للبحث عن حل يرضي جميع الأطراف بشأن سد النهضة، يبدو أن خيارات أخرى غير المسار التفاوضي ربما تلجأ إليها القاهرة للحفاظ على حصتها من مياه النيل.

إعلان فشل التوصل إلى اتفاق خلال اجتماع الـ16 ساعة الذي عقد في الخرطوم بداية أبريل/نيسان الحاليّ، بحضور وزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات في الدول الثلاثة المعنية، أعقبه عدم رد - فُسر بأنه رفض - من الجانب الإثيوبي والسوداني على دعوة الخارجية المصرية عقد جولة جديدة من المفاوضات، دفع إلى البحث عن بدائل أخرى أمام القاهرة للتعامل مع هذا الملف. 

سامح شكري وزير الخارجية المصري، كشف في تصريحات متلفزة له، امتلاك بلاده حزمة من أوراق الضغط لم يسمها مراعاة لمصالح الشعب المصري في مياه النيل حسبما أشار، مكتفيًا بالتحذير من لجوء القاهرة إلى هذه الوسائل حال استمرار الوضع على ما هو عليه، في رسالة اعتبرها البعض تهديدًا لكل من الجانب الإثيوبي والسوداني، حين قال بوضوح: "على الجميع أن يعلم أن مصر لن يُفرض عليها وضع قائم أو وضع مادي يتم من خلاله فرض إرادة طرف على آخر، هذا غير مقبول". 


تبادل الاتهامات

تبادلت كل من القاهرة وأديس أبابا الاتهامات بشأن المسؤول عن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات، حيث حمّل المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية ميليس علم، الجانب المصري مسؤولية فشل مفاوضات السد، وعزا ذلك إلى عدم جدية وتعاون المفاوض المصري وطرحه في المفاوضات اتفاقية عام 1959، مجددًا رفض أديس أبابا لاتفاقية لم تكن عضوًا فيها". 

ميلس وفي المؤتمر الأسبوعي للخارجية الإثيوبية اليوم قال إنه رغم توجيهات الرؤساء وحرص كل من السودان وإثيوبيا على حل موضوع سد النهضة، والتعاون الاقتصادي بين البلدان الثلاثة، فإن الجانب المصري طرح اتفاقية عام 1959، وهي اتفاقية تمنح مصر أكثر من 55 مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل، وتعطي السودان 18 مليارًا، مجددًا تأكيده أن بلاده غير معنية بهذه الاتفاقية التي لم تكن جزءًا منها ومن ثم ليس لزامًا عليها الاعتراف بها، حسبما أوضح. 

تتوجه القاهرة نحو حلفائها العرب والدول الصديقة والمؤثرة، على رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات، اللتين تملكان أوراق ضغط قوية ضد أديس أبابا على رأسها التهديد بسحب الاستثمارات 

وفي المقابل نفت القاهرة مزاعم أديس أبابا بشأن مسؤوليتها عن فشل المسار التفاوضي، حيث علق وزير الخارجية المصري على تلك الاتهامات قائلاً: "ترديد أي مقولة تتهم مصر بعرقلة مباحثات سد النهضة بين الأطراف الثلاثة، غير صحيحة"، فمصر وفق شكري بذلت كل جهد خلال جولة الخرطوم وتفاوضت بحسن نية وتقدير لمصالح الشركاء من خلال طرح مبادرات تلبي مصالح الجميع، محذرًا من أن "الزمن يداهمنا مع مزيد من فقد الوقت".

وأضاف "مصر موافقة على التقرير الاستهلالي الاستشاري، وموافقة على الإقدام على دراسته حتى يكون هناك تنفيذ أمين للاتفاق الذي تم توقيعه بين الدول الثلاثة، والاعتماد على دراسة موضوعية محايدة تبرهن على أن مصر لن تتحمل أضرارًا لن تستطيع استيعابها من قبل ملء خزان السد وتشغيله، وإثيوبيا إلى الآن لم تعتمد هذه الدراسة وترى أنها لا تلبي احتياجاتها وهذا موقف يجعل المسار متوقفًا ومتجمدًا".


توتر العلاقات

لم تستطع الابتسامات العريضة والأيادي المتشابكة التي التقطتها كاميرات الإعلام لزعماء كل من مصر والسودان وإثيوبيا أن تخفي حقيقة التوتر في العلاقات بين العواصم الثلاثة، وهو الذي وصل في بعض الأحيان إلى التهديد والتلويح بالتدخل العسكري فضلاً عن التراشق الإعلامي المتواصل.

البحث عن تفسيرات عدة لفشل المسار التفاوضي حيال ملف السد بعد أكثر من 18 جولة مفاوضات خاضتها الدول المعنية على مدار 7 سنوات لا يمكن فصله عما يكنه كل طرف للآخر في الغرف المغلقة، بعيدًا عن الأسباب الواهية المعلنة إعلاميًا، فالقضية أكبر من أن تُختصر في الخلاف على مكاتب هندسية أو دراسات فنية.

في أكتوبر/تشرين الأول 2016 اتهمت الحكومة الإثيوبية مؤسسات مصرية وإريترية بتحريض المواطنين الإثيوبيين على التظاهر ضد الحكومة، كما جاء على لسان وزير الإعلام الإثيوبي غيتاشو رضا الذي ألمح إلى رغبة بعض المجموعات في كلتا البلدين في إشعال الأمور في بلاده؛ مما أدى حينها إلى إعلان حالة الطوارئ.

يتهم النظام السوداني نظيره المصري بتهديد استقرار بلاده، والعمل على إثارة الفوضى والقلاقل الأمنية والسياسية، بدعوى دعمه للفصائل المعارضة في دارفور وإريتريا

رضا اتهم "عناصر أجنبية بتمويل وتسليح جماعات المعارضة"، لكنه أوضح أن هذه العناصر لا تحظى بالضرورة بدعم حكومات بلادها، مضيفًا "لدينا أدلة واضحة أن هذه الأعمال منظمة بواسطة أشخاص لا يرغبون فقط في إزاحة الحكومة الإثيوبية ولكن في تفكيك الدولة الإثيوبية بالكامل". وفي المقابل نفت الخارجية المصرية هذه الاتهامات، مؤكدة في بيان صادر عنها احترام مصر الكامل للسيادة الإثيوبية وعدم تدخلها في شؤونها الداخلية.

سودانيًا، فالسجال بين القاهرة والخرطوم لم يهدأ طيلة السنوات الأربعة الأخيرة حتى إن تبادل زعماء الدولتين الزيارات والشعارات التي تعكس حجم "الأخوة" في العلاقات المشتركة، فالجانب المصري دومًا ما يرى في جارته الداعم الأكبر لأديس أبابا في بناء السد، في محاولة للضغط على القاهرة والتأثير على قرارها السياسي، معتبرًا أن الخلاف الأيديولوجي للنظام السياسي في كلتا البلدين هو السبب الرئيسي في تلك الخصومة.

وفي المقابل يتهم النظام السوداني نظيره المصري بتهديد استقرار بلاده، والعمل على إثارة الفوضى والقلاقل الأمنية والسياسية، بدعوى دعمه للفصائل المعارضة في دارفور وإريتريا، فضلاً عن احتضانه لبعض المعارضين لنظام البشير في القاهرة، هذا بخلاف ما أثير بشأن تزويد الجانب المصري لتلك العناصر بمعدات عسكرية وأسلحة مختلفة.

كما يعد ملف حلايب وشلاتين أحد أبرز الملفات الحاضرة على طاولة الخلاف بين القاهرة والخرطوم، وصل إلى حد التلويح بتدويل القضية وطرحها على موائد المنظمات الأممية، وهو ما ساهم بشكل كبير في زيادة حدة التوتر في العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة.

سامح شكري: "على الجميع أن يعلم أن مصر لن يُفرض عليها وضع قائم أو وضع مادي يتم من خلاله فرض إرادة طرف على آخر، هذا غير مقبول"


هل تملك القاهرة أوراق ضغط؟

رغم الوضع المتأزم الذي وصل إليه المسار التفاوضي بشأن سد النهضة، فإن القاهرة ما زالت تمتلك حزمة من البدائل الأخرى التي من الممكن أن تستخدمها كأوراق ضغط ضد أديس أبابا لإثنائها عن مشروعها الذي بدأ يلقي بظلاله القاتمة على الجانب المصري.

تدويل القضية.. السيناريو الأول الذي يرجحه الكثير من الخبراء يتمثل في تدويل القضية، ورغم ما يثار بشأن إجهاض توقيع الجانب المصري على اتفاقية المبادئ مع السودان وإثيوبيا في مارس 2015 لهذا الحل، فإن الملف يخضع لاتفاقيات القانون الدولي المنظمة للأنهار الدولية، حسبما أشار الدكتور أحمد عبد الخالق الخبير الدولي في الموارد المائية في تصريحات له.

وتابع عبد الخالق: "إثيوبيا خالفت قواعد القانون الدولي في حق من الحقوق الأساسية لمصر، وهناك طرق تمتلكها القاهرة للتعامل مع هذا الملف إذا ما فشلت المفاوضات المباشرة"، لافتًا إلى أهمية خطوة اللجوء إلى الاتحاد الإفريقي الذي يعتبره أقوى المؤسسات الإقليمية على مستوى العالم، كما أن الاتحاد لديه مجلس السلم والأمن، وله الحق بالتدخل في الشؤون الطارئة المؤثرة في السلم والأمن، أو جرى نزاع يمكن أن يقوض السلم في القارة الإفريقية".

البرلمان المصري بدوره دخل على خط الأزمة، حيث قال طارق الخولي أمين سر لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، إن رفض كل من إثيوبيا والسودان، دعوة مصر لاستكمال المفاوضات بشأن سد النهضة، يتطلب سرعة إحالة ملف الأزمة للمحافل الدولية، لإثبات مشروعية وحقوق مصر في مياه النيل.

وأضاف "أزمة مياه النيل قضية أمن قومي لمصر، وغير قابلة للتراجع أو التفاوض فيها، نظرًا لأن النيل هو مصدر مصر للحصول على مياه الشرب، وبالتالي هو مصدر الحياة للمواطنين".


اللجوء للحلفاء العرب للضغط على أديس أبابا على قائمة بدائل القاهرة

الضغوط السياسية والاقتصادية.. البديل الثاني أمام الجانب المصري يتمثل في ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية ضد إثيوبيا، وذلك عبر توجه القاهرة نحو حلفائها العرب والدول الصديقة والمؤثرة، على رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات اللتين تملكان أوراق ضغط قوية ضد أديس أبابا على رأسها التهديد بسحب الاستثمارات كذلك الضغط على السودان في الوقت ذاته.

أنصار هذا السيناريو يتساءلون عن الدور الأمريكي في هذه الأزمة، مطالبين باستغلال النظام المصري علاقته القوية بإدارة الرئيس دونالد ترامب لدفعه إلى التدخل لتحريك المياه الراكدة عبر عدد من وسائل الضغط التي تملكها واشنطن ضد إثيوبيا.

إثيوبيا خالفت قواعد القانون الدولي في حق من الحقوق الأساسية لمصر، وهناك طرق تمتلكها القاهرة للتعامل مع هذا الملف إذا ما فشلت المفاوضات المباشرة

الخيار العسكري.. بعض الأصوات المصرية لا سيما ذات الخلفية العسكرية تطالب باللجوء إلى الحل العسكري كخيار أخير أمام القاهرة بعد فشل المسار التفاوضي والتفاف الجانب الإثيوبي على تحفظات الجانب المصري على بناء السد عبر اتفاقية المبادئ الموقعة في الخرطوم قبل ثلاث سنوات.

هذا الخيار أثار موجة من الجدل بين مؤيد ومعارض، لما يحمله من تداعيات كارثية قد تدخل مصر في دوامة من المواجهات، الإقليمية والدولية، ليست على استعداد لها في الوقت الراهن، ومن ثم فهذا السيناريو - وفق البعض - أول المستبعدين من قائمة البدائل المطروحة.

وبينما تتخبط القاهرة في مسارها التفاوضي مع الجانب الإثيوبي، إذ بحكومة السيسي تبدأ في التعامل مع السد على أنه أمر واقعي، وهو ما بدا من خلال توجيهاتها الأخيرة بعدم زراعة محصول الأرز نظرًا لاستهلاكه كميات كبيرة من المياه، وصلت إلى حد فرض غرامات مالية على كل من يقوم بزراعة هذا المحصول بخلاف إتلافه حال زراعته، وهو ما يجسد خطورة الموقف، لتبقى أوراق الضغط التي يملكها المفاوض المصري - حال توظيفها بالشكل الملائم - الأمل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتجنيب الملايين من المصريين مخاطر الجوع والعطش.

نون بوست