في الوقت الذي تتواصل فيه بيانات الإدانة محلياً وخارجياً، للهجوم على مقرّ المفوضية العليا للانتخابات بمنطقة غوط الشعال، وسط العاصمة طرابلس، يوم الأربعاء، الذي راح ضحيته 11 قتيلاً وعدد من الجرحى، من موظفين ورجال أمن، ومواطنين مدنيين، وفق مصادر طبية، تستمر في الوقت نفسه الاتصالات المكثفة بين الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة، وبين ورئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السائح وعدد من المسؤولين والسياسيين في البلاد. الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة، أكد دعم الأمم المتحدة المتواصل للمفوضية وللعملية الانتخابية في ليبيا، صرَّح عشية الحادث عبر صفحة البعثة الأممية على موقع فيسبوك قائلاً "إن الاعتداء الجبان الذي تعرَّض له هذا الصرح الديمقراطي، اليوم، هو عدوان مباشر على الشعب الليبي وعلى إرادته ببناء دولة مدنية عادلة، كما على أمله بإيجاد مخارج تنهي المراحل الانتقالية، وترسي الطمأنينة والاستقرار على المشهد الليبي". غسان سلامة عبَّر عن إدانة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الهجوم "الإرهابي"، والتزام الأمم المتحدة بتنفيذ خطة العمل الخاصة بليبيا، والمتضمنة إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، قبل ديسمبر/كانون الأول المقبل.


أعلن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، الحداد العام لمدة ثلاثة أيام على ضحايا الهجوم، الذي استهدف مقرَّ مفوضية الانتخابات في العاصمة الليبية بعد يومين من إعلان المجموعة الرباعية بشأن ليبيا (الاتحادان الأوروبي والإفريقي، والجامعة العربية، والأمم المتحدة) من القاهرة، تمسكها بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في ليبيا قبل نهاية العام الجاري. فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، وصف الهجوم بالمحاولة اليائسة لتعطيل "المسار الديمقراطي وإجهاض التجربة الديمقراطية في مهدها"، وأضاف في بيانٍ أن الحادث لن يثنيهم، عن المضي قدماً في مسار الديمقراطية "هذه الجرائم لن تزيدنا سوى إصرار على أن نتحد جميعاً في محاربة الإرهاب بكل صوره وأشكاله، وأن نطهر بلادنا من شروره". ضرورة إجراء الانتخابات رغم التهديدات والعراقيل يؤكدها عضو المجلس الأعلى للدولة في طرابلس أحمد لنقي في تصريح لـ"عربي بوست"، فالانتخابات أصبحت خياراً ضرورياً في نظره، بعد أن تعثرت المفاوضات بين مجلس النواب التابع للحكومة المؤقتة في طبرق والمجلس الأعلى للدولة، التابع لحكومة الوفاق في طرابلس، من أجل الوصول إلى اتفاق لتوحيد السلطة التنفيذية وتشكيل حكومة وحدة وطنية. لنقي يعتبر أنه من غير المقبول ترك مؤسسات الدولة في حالة انقسام وفوضى، الأمر الذي سيزيد من معاناة الناس "واستمرار الفساد واستفحال حمل السلاح خارج نطاق الدولة، وانهيار مكونات الدولة الليبية"، ولا يؤمن بما سمَّاها الحلول التوافقية، مشدداً على ضرورة تبنّي حل جذري للأزمة الليبية، متمثلاً في "الذهاب إلى انتخابات تشريعية، ومنها انتخاب رئيس للدولة ونائبين، عن طريق الاقتراع غير المباشر، بواسطة السلطة التشريعية الجديدة". المضي نحو الانتخابات شدّد على ضرورته هذه المرة رئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح، مطالباً بضرورة إجراء الرئاسيات تحديداً قبل نهاية العام الحالي، مضيفاً في حوار له أنها "استحقاق دستوري حسب التعديل الثامن من الإعلان الدستوري". صالح يعترف بصعوبة الوصول إلى اتفاق سياسي حقيقي في الوقت القريب، رغم لقائه رئيس المجلس الأعلى للدولة المنتخب حديثاً، خالد المشري، في المغرب، نهاية أبريل/نيسان الماضي، الذي وصف بالإيجابي والبنّاء، غير أن عقيلة أكد عقب عودته من المغرب مباشرة أن الوقت لن يسعف مجلس النواب لإجراء التعديلات المطلوبة على الاتفاق السياسي، أو تشكيل حكومة جديدة، مؤكداً رغبته الشخصية في تنظيم الانتخابات، في سبتمبر/أيلول المقبل. 


الاستحقاق الأمني أولاً

الموعد الذي حدَّده رئيس مجلس النواب لا يتفق معه رئيس حزب تحالف القوى الوطنية محمود جبريل، موضحاً في تصريح سابق لـ"عربي بوست" أن الانتخابات لو أجريت في الوقت الحالي، في ظلِّ هذه الانقسامات، وفي ظل انتشار السلاح قد تؤدي إلى انقسام أكبر. جبريل دعا إلى ضرورة توفير ثلاثة شروط أساسية قبل الذهاب إلى الانتخابات، أولها الشرط الأمني وإنهاء مشكلة انتشار السلاح أولاً، حتى يذهب الناخب إلى صندوق الاقتراع آمناً، ولا تُمارَس عليه أية ضغوط، وأن تحل المشكلة الاقتصادية حتى يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع، بعيداً عن أي إكراهات اقتصادية، وبعيداً عن أي ابتزاز مالي قد يمارس ضده لشراء صوته. أما الشرط الثالث حسب وجهة نظر جبريل، فيتمثل في أن تجرى الانتخابات في ظل إطار تشريعي، حيث لا بد من قانون انتخابات يسمح للأحزاب بالمشاركة الفاعلة، حتى لا تتكرر مشكلة مجلس النواب مرة أخرى. السياسي الليبي اعتبر هذه الشروط أساسيةً حتى لا يتكرر سيناريو انتخابات مجلس النواب في 2014، التي جرت على أساس فردي لا على أساس القوائم، وحتى تقبل الأطراف المختلفة بنتائج الانتخابات مسبقاً، وتلتزم بتطبيقها لكي لا يتكرر نفس الرفض والاقتتال. الانتخابات التشريعية والرئاسية في ليبيا رغم الاتفاق على ضرورة تنظيمها في وقت قريب للخروج من البلاد من أتون انقسام سياسي وعسكري وإداري آخذ في الاتساع، منذ أغسطس/آب 2014، غير أن ذلك لا يمنع من تخوف بعض المتابعين والفاعلين السياسيين في البلاد، وتشكيكهم ويعتبرونه أمراً غير قابل للتطبيق على أرض الواقع في الوقت الراهن. المشككون يعتبرون الحديث عن تنظيم انتخابات مجرد مضيعة للوقت وحديث بلا أسس، ومجاراة المسؤولين في الداخل لتوصيات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومنظماته المعنية باستمرار المسار الديمقراطي في ليبيا، من خلال الانتخابات التي من المفترض أن يشارك بها أكثر من مليوني ليبي، هم تقريباً ثلث سكان البلاد.


عربي بوست