مع الإنتهاء من مرحلة الإنتخابات النيابية بكل تفاصيلها وانقساماتها، فتح النقاش السياسي مجدّداً على عناوين المرحلة المقبلة، انطلاقاً من المعادلات التي أرستها نتائج هذه الإنتخابات على الساحة الداخلية، وذلك وفق روزنامة خاصة خاضعة لاعتبارات عدة محلية أكثر منها إقليمية. وقد اعتبر مصدر وزاري مطّلع على مجريات الواقع الحالي على كل المستويات، أن التحديات التي نجح لبنان في تجاوزها عبر إجراء الإستحقاق النيابي بعد تسع سنوات من التمديد ما زالت ماثلة وهي إلى ازدياد، على الرغم من الكلام السياسي في الساعات الـ 48 الماضية، والذي سجل إجماعاً بين الرئاسات الثلاث على نقاط محدّدة مطروحة، في مقدمها انتخاب الرئيس نبيه بري لرئاسة مجلس النواب، وتسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة، والإقرار بوجوب الإسراع في إنجاز عملية تشكيل الحكومة، قبل أن تدهم التطوّرات الدولية والإقليمية الدولة اللبنانية مسؤولين ومواطنين بفعل التهديد الإسرائيلي للبنان، والذي يشي بوجود متغيّرات بارزة على صعيد الحماية الدولية للإستقرار اللبناني التي كانت ثابتة منذ العام 2011 إلى اليوم. وكشف المصدر الوزاري نفسه، أنه بمعزل عن تقييم القوى السياسية للنتائج الإنتخابية على صعيد الأحجام السياسية وكيفية ترجمتها في السياق الحكومي، فإن الخلافات ما زالت كبيرة ولا يمكن الإستهانة بها، ومن الطبيعي أن تؤثّر على آلية تشكيل حكومة العهد الأولى، كما يسميها «التيار الوطني الحر». وإذا كانت هذه الخلافات سياسية بنسبة منها، ولكنها مرتبطة بالنفوذ والمصالح بنسبة كبيرة، فإن المصدر لفت إلى ان الأولويات الحياتية والمعيشية هي نقطة الإلتقاء بين الكتل النيابية البارزة، ولا سيما «حزب الله»، حيث أن الكلمة التي قالها اللبنانيون من خلال الإتجاهات التي ظهرت في عملية التصويت، قد عبّرت بوضوح عن رفض لكل السياسات السابقة والتأكيد بوجوب إعطاء المجال أمام التغيير في كل الآليات الرسمية المعتمدة لإدارة المؤسّسات، وذلك بعيداً عن المحاصصة وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وصولاً إلى الهدر والفساد. وبالتالي، فإن الزمن الأول قد تحوّل على صعيد توسيع مروحة الفريق الوزاري الذي سيعمل لمكافحة الفساد أولاً، وتحقيق التنمية ثانياً، وإعادة تفعيل مؤسّسات الدولة ثالثاً، واسترجاع ثقة اللبنانيين ببلدهم رابعاً.

ولذلك، يضيف المصدر الوزاري نفسه، أنه لم يعد باستطاعة أي فريق مهما بلغ حجم كتلته النيابية، أن يفرض شروطاً في عملية توزيع الحقائب الوزارية، وبشكل خاص بالنسبة لـ «التيار الوطني الحر» والقوات اللبنانية على صعيد الحصص المسيحية، وبالنسبة لتيار «المستقبل» و»الثنائي الشيعي» بالنسبة للحصص الإسلامية. وفي هذا المجال، يكشف المصدر الوزاري ذاته، عن أن كل الوعود التي جرى منحها قبيل عملية تشكيل اللوائح الإنتخابية، لبعض الشخصيات التي عزفت عن المشاركة في السباق الإنتخابي لن تكون قابلة للتنفيذ، وذلك وفق المعطيات السياسية الراهنة. وبالتالي، فإن العقد لا تختصر فقط بمسألة الطائفة التي ستحصل على حقيبة وزارة المال، بل تتخطاها إلى وزارات الخارجية والطاقة والأشغال، كما يضيف المصدر الوزاري، الذي يخلص إلى أن التوازنات النهائية لم ترتسم بعد، وهي ستتحدّد بشكل جليّ في الجلسة الأولى التي يعقدها المجلس النيابي الجديد من خلال التحالفات ما بين الكتل القديمة، كما الجديدة.