تستمر الرسائل المشفّرة بين القيادات السياسية المحلية، بعد أسبوع على انتهاء الإستحقاق الإنتخابي النيابي، وانطلاقاً من مفاعيله السياسية اللبنانية، كما الإقليمية، وذلك في ضوء استمرار القراءات الغربية لنتائج هذه الإنتخابات النيابية، وما تلاها من أحداث وسجال سياسي مرتفع النبرة بين المسؤولين السياسيين. وفي الوقت الذي تتجاهل فيه القوى المعنية بالإستحقاقات المقبلة، وأبرزها تعقيد تشكيل الحكومة، فقد توقّفت أوساط نيابية مخضرمة، عند الجبهة التي تشكّلت في فترة ما قبل الإنتخابات النيابية وما زالت متماسكة، وهي متمثّلة بالحلف الوثيق ما بين تيار «المستقبل» و«التيار الوطني الحر» اللذين التقيا عند نقطة تقاطع جدلية هي إرساء أعراف جديدة في الأداء السياسي وتشكيل السلطة، فاتفقا على رفضها بشكل مطلق بصرف النظر عن مضمون أو طبيعة الأعراف التي يجري الحديث عنها. وإذا كانت حقيبة وزارة المال تشكّل العرف الذي يتناوله كل من تيار «المستقبل» و«التيار الوطني الحر» من جهة، وحركة «أمل» و«حزب الله» من جهة أخرى، في السجالات اليومية منذ يوم الإثنين الماضي، فإن الأوساط نفسها كشفت أن الرئيس سعد الحريري، كما رئيس «التيار الوطني» الوزير جبران باسيل، لا يعترضان على بقاء وزارة المال مع حركة «أمل» في الحكومة المقبلة، وإنما يريدان أن يسجّلا موقفاً مبدئياً ضد تكريس هذه الحقيبة للفريق الشيعي أو الطائفة عموماً. وأضافت أن هذه المعارضة تتوقّف عند طرح كيفية توزيع الحقائب الوزارية الأخرى السيادية كما الخدماتية، حيث أن «التيار البرتقالي» يرفض التخلّي عن وزارة الطاقة أو عن وزارة الخارجية، ويطالب بوزارة الأشغال إلى جانب وزارات أخرى، ولفتت إلى أن هذه المعادلة تنطبق أيضاً على تيار «المستقبل»، الذي لم يتقبّل نتائج الإنتخابات النيابية في الشارع البيروتي خصوصاً، وهو يرفض بالتالي أن يشاركه النواب السنّة الجدد في الحكومة المقبلة، كما في صنع القرار في الشارع السنّي في المرحلة المقبلة. وأضافت هذه الأوساط، أن تحالف «المستقبل» ـ «التيار الوطني الحر»، لا يستوعب أن ثمة مجموعة نيابية جديدة أخذت تشاركهما في مساحة التمثيل على الساحتين المسيحية والسنّية، كما ليس باستطاعتهما أن يهضما أن تكون لهذه المجموعة إلى جانب الكتل النيابية الأخرى، دوراً بارزاً في عملية تشكيل الحكومة لجهة الإصرار على المطالبة بحقائب «وازنة» بعدما تحقّق لها التمثيل النيابي الوازن.

وفي هذه المسألة، فإن خارطة الطريق الداخلية باتت واضحة، وإنما من خلال عمليات التموضع السياسية، وليس من خلال المحطات الدستورية، وذلك على حد قول الأوساط النيابية نفسها، والتي لاحظت أن التيارين «الأزرق» و«البرتقالي»، قد باتا أمام أكثر من معارضة داخل مجلس النواب، كما داخل أي حكومة مقبلة، وذلك بناء على المعادلات الميدانية التي تكرّست في 6 أيار، ولم يعد بإمكانهما إغفالها، وإن كان «التيار الوطني الحر» يرفض الإعتراف بها، بينما ذهب تيار «المستقبل» إلى إجراء عملية مراجعة ذاتية سريعة للأسباب التي أدّت إلى هذه الخسارة التي مني بها في بعض الدوائر الإنتخابية، واتخذ قرارات إجرائية سريعة بحق بعض الذين اعتبرهم مسؤولين عن هذه الخسائر التي أصابت تيار «المستقبل» في الصميم.