حين قيل له «هذا المكتب السياسي الذي أتيت به كوكتيل من. .. المرتزقة».

وحين قيل له «يفترض أن تخرج من جلباب أبيك لأنك لا تستطيع أن تكون رفيق الحريري.  اذا ما بقيت محاطاً باللصوص في الهيكل، لن يتبعثر الارث المالي فحسب، بل والارث السياسي، ولسوف يطل أبوك من هناك، أبوك الذي طالما نظر اليك بشغف، ويسأل : ماذا فعلت يا سعد ؟».

وحين أتى من ينقل اليه قول أحدهم من قادة تيار المستقبل «اذا كان سعد الحريري يريد التغيير، ليبدأ بسعد الحريري».

بعد الاغتيال بأكثر من عقد، العقد الذي يكاد يضاهي القرن، يقف على المنبر ليعلن «أنا ابن رفيق الحريري». الأب الذي كان المال، وكان النفوذ، وكان الحنكة.  بالدرجة الأولى، كان الرجل الذي يثير حتى غيظ بعد أعضاء العائلة الملكية. بندر بن سلطان قال لجيفري فيلتمان «ثمة قصر واحد هو قصر اليمامة، ولا قصر غيره».

أين الرجل، رجل الدولة، في سعد الحريري ؟ البعض يحفر الجبل بالابرة للوصول الى السلطة.  رفيق الحريري وصل بالبلدوزر. رغم ذلك علّق على المدخل الرئيسي للسراي اللوحة التي كتب عليها «لو دامت لغيرك لما اتصلت اليك».

من الصعب على أي كان أن يكره سعد الحريري، الا الذين يريدون له أن يكون والياً سعودياً على غرار الولاة العثمانيين أو الذين يرون فيه مغارة علي بابا (أين هم الذي أثروا من قربهم منه؟). الشيخ سعد جاء الى السياسة من أكثر الأبواب تراجيدية، وفي أكثر الظروف تعقيداً.

لم يكن يهوى السياسة. قيل أن الملك عبدالله انتقاه لأن دمه سعودي. لا نعتقد أن ذلك كان دقيقاً، والا لما آلت الأمور الى ما آلت اليه في 4 تشرين الثاني المنصرم. ألم تكن التهمة خيانة الخط، وربما خيانة التاج ؟

ابان الحملة الانتخابية، قال «لا مال لدي». بالرغم من ذلك صفق له الجمهور. صفق أكثر حين راح يردد تلك الاسطوانة الرتيبة ضد «حزب الله»، وضد سيطرة الحزب على بيروت، وطرابلس، وحتى على عكار. كان المشهد كوميدياً. هنا العقل البارد يلقى جانباً لتحل محله هيستيريا المقاعد.

بعد الانتخابات قيل : ماذا بقي من سعد الحريري ؟ كانت اجابة البعض أن الثنائي الشيعي الذي يقوده رجلان من طراز نبيه بري وحسن نصرالله، حصد 26 مقعداً شيعياً.

الحريري منفرداً نال 17 مقعداً سنّياً، بغياب المال، وداخل غابة من الخناجر.

لكن السنّة الذين على الضفة الأخرى ليسوا من «موديل» غازي يوسف أو أمين وهبي أو عقاب صقر. انهم نجيب ميقاتي، وعبدالرحيم مراد، وفيصل كرامي، واسامة سعد، وجهاد الصمد، وحتى فؤاد مخزومي وعدنان طرابلسي.  هؤلاء فازوا بقوتهم الذاتية، أو بالشراكة مع قوى أخرى، دون أن يكونوا أرقاماً على اللوائح.

لعل السؤال الأكثر حساسية : ماذا بقي من سعد الحريري بعد نادر الحريري ؟ أحدهم، وهو وزير سابق، وكان من أركان الرئيس رفيق الحريري، لاحظ أن نادر الحريري لم يكن الذراع اليمنى. في أحيان كثيرة، كان رأس سعد الحريري.

دولة الرئيس قال «سعد الحريري عام 2018 غير سعد الحريري قبله». هذا كلام فضفاض.  الحلبة اياها, ورجال الحلبة اياهم.  الفساد في لبنان أسلوب حياة، بل فلسفة حياة.  كثيرون من الذين حولك من عبدة العجل الذهبي. بعضهم يأخذ «الأصوات النقية» في عكار نموذجاً. هذا يكفي. أين الواقعية في القول أنه يريد الأنقياء وحدهم الى جانبه.  ياصاحبي، السياسة في لبنان بعيدة عن القداسة بعدنا عن المريخ. 

هل حقاً أنه يعدّ لمفاجأة مثيرة ان واجه التعقيدات اياها في تشكيل الحكومة ؟ قد يكررتجربة والده عام 1998 حين اعتذر غاضباً، وكانت الصدمة الدراماتيكية التي توجته ملكاً على بيروت بعدما قاد ضابط فارغ الحرب الاعلامية ضده بتلك الطريقة الكاريكاتورية والمخزية.

هكذا يتردد في جدران بيت الوسط.  سعد الحريري الذي تلاحقه الأشباح السعودية، يعلم أن لبنان بلد التسويات الغرائبية.  كيف له ألآّ يكون رجل التسويات الغرائبية ؟

يا شيخ سعد، لا مجال أمامك، والحال هي الحال، أن تكون الرقم الصعب في التشكيلة الحكومية.  الأرقام الصعبة كثيرة. هنا المشكلة. .. !