خليل جابر


لبنان بلد القداسة والحضارة على مر العصور۔ 

لبنان بلد تعدد الديانات والثقافات۔

لبنان بلد السياحة والتنوع الديمغرافي والجغرافي۔

لبنان بلد الحرية والسيادة والاستقلال۔

لبنان وطن المقاومة والجيش والشعب۔


لبنان هذا، هو البلد العربي الوحيد رغم صغر مساحته وتعدد الطوائف والمذاهب فيه، هو البلد الذي تكسرت على أبوابه اعتى جيوش العالم، وهو الذي قامت من بين حناياه مقاومة باسلة اذلت اسطورة الجيش الذي تفاخر وتباهى بانتصاراته على العرب انه الجيش الذي لا يقهر وقد هزمته مقاومة تربى أبناؤها على الايمان وحب الوطن والدفاع عن الأرض والعرض حيث كانت بداية هزائمه في حرب 1996 اذ توقفت الحرب بعد اتفاق دولي، ووصولا الى طرده من أرض الجنوب وبعض قرى البقاع الغربي اللبناني في عام 2000 واخرها وليست الأخيرة، الهزيمة الكبرى في حرب الثلاثة وثلاثين يوما في عام 2006 والتي تكبد فيها جيش العدو الاسرائيلي اكبر هزائمه ومرغت سمعته في الوحل الجنوبي، وكانت اكبر هزيمة في كل تاريخه العسكري الوحشي، إذ كانت دباباته تحترق في وادي الحجير وشلكت توابيت من حديد لجنوده، وفي سهل الخيام كانت سقطت أسطورة الميركافا واحترقت وهربت ودُمرت وعلى الساحل اللبناني انكسرت سمعة قوته البحرية حيث تم تدمير احدى بوارجه واصيبت اخرى وهرب الباقي من وابل نيران المقاومة، وصولا الى طائراته الحربية الحديثة التي صالت وجالت ودمرت وفتكت وقتلت الحجر والبشر، لكنها لم تستطع ان تنال من ارادة المقاومين البواسل ومن عزيمة الجيش اللبناني الذي وقف وقفة بطولية الى جانب شعبه ومقاومته۔


لبنان هذا هو الذي دمر قوة وهيبة الجيش الذي لطالما كان يرعب بعض العرب وجيوشهم الذين زرعوا في نفوسهم انه جيش لا يقهر، فتبين انه كما قال سيد المقاومة السيد حسن نصرالله، "أوهن من بيت العنكبوت"، وبدل ان يكونوا الى صف المقاومة والمقاومين والجيش اللبناني والشعب اللبناني، قالوا عنهم "مغامرون" حتى أن بعضا من الداخل اللبناني، لا مجال للذكر هنا، قد أيد فكرة المغامرة، لا بل حاول منع وصول الامدادات العسكرية واللوجستية الى المقاومة وهي في اشرس معركة، لكن هؤلاء المغامرون أثبتوا للداخل والخارج انهم أشداء أقوياء، كسروا هذا الوهم الكبير وقالوا للعالم أجمع وللحكام العرب وجيوشهم ان هذا الجيش الذي لا يقهر قد تحطم على أقدام المجاهدين، وقالوا للجميع انه جيش من كرتون، هو الجيش الذي بكى جنوده على تخوم القرى الجنوبية في مارون الراس وعيتا وبنت جبيل والطيبة والغندورية وفي وادي الحجير كانت الملحمة الكبرى والمقبرة لجنود الجيش الاسرائيلي ودباباته ومدرعاته وآلياته العسكرية۔


قام الجيش الاسرائيلي بدفع كل قوته البرية والجوية والدبابات والمدفعية كي يصل الى تخوم جنوب نهر الليطاني ويحصل ولو على انتصار معنوي لجنوده وشعبه وقيادته وقررت قيادته العسكرية بعد اجتماع المجلس الوزاري المصغر بارسال قوة لاحتلال جنوب نهر الليطاني۔


ميدانيا وعلى الأرض يعتبر وادي الحجير بالوصف العسكري محور التقدم الوحيد في اتجاه نهر الليطاني حيث يقع في القطاع الأوسط من جنوبي لبنان وتضم منطقته قرى عديدة هي الطيبة، عدشيت القصير، دير سريان والقنطرة للجهة الشرقية للوادي. ويتصل من الغرب بقريتي فرون والغندورية ويحده من الشمال نهر الليطاني بمسافة 2 كيلومتر، فيما تتربع عديسة ورب تلاتين على حده الجنوبي مع الجليل الفلسطيني المحتل۔


ومن المعروف عسكريا ان من يسيطر على وادي الحجير عليه أن يمسك بهذه القرى وتلالها مجتمعة لتأمين محور التقدم شمالا مما يفرض على الجيش الصهيوني السيطرة على كل المرتفعات والتلال الإستراتيجية المحيطة بالوادي أما من جهة الطبيعة فالوادي يتشكل من أحراش كثيفة منتشرة على جانبيه بشكل متصل مما يسهل على رجال المقاومة، رجال حزب الله الذين يعرفون طبيعة الارض ويعرفون كل حجر وشجرة فيها، سهل مهمتهم في نصب الكمائن المناسبة للقوات المعادية.


قبل مباشرة التقدم للقوة المدرعة قامت مدفعية العدو بقصف تمهيدي للمنطقة ليتلوه بعد ذلك تسلل أول سرية مدرعة عبر واي هونين ثم تقدمت عبر بلدتي العديسة ورب تلاتين في إتجاه منطقة الطيبة بغرض تأمين محور التقدم إلى وادي الحجير لباقي القوة المتقدمة مع تقدم جرافات D9 المدرعة لتمهيد الطريق في حال وجود عبوات ناسفة تستهدف الدبابات، وعند الوصول الى معبر الطيبة وقبل دخول وادي الحجير استهدفت المقاومة بالصواريخ المضادة للدروع 8 آليات بين دبابة ميركافا وجرافات CATERPILLAR D9 اعترف الجيش الاسرائيلي بحصيلة مواجهات منطقة الطيبة باثنتي عشرة إصابة ما بين قتيل وجريح وبتدمير 6 دبابات ميركافا، وكانت تلك المعركة مجرد بداية لمجزرة وادي الحجير.


بعد ذلك مباشرة، حاولت الدبابات المتقدمة الإلتفاف عبر بلدة القنطرة من جهة الشرق غير أن رجال حزب الله استهدفوا 4 دبابات من جديد ليعطلوا بذلك تقدم الرتل المدرع، وذلك بعد تعذر إمكانية التقدم المباشر تحت الصواريخ المضادة للدروع قام الجيش الاسرائيلي بمحاولة للقيام بإنزال قوات المشاة والمظليين وذلك على المحور الغربي للطريق المؤدية لوادي الحجير وذلك في بلدة الغندورية بغرض تأمين تقدم دباباته بتغطية من قوات المشاة التي تتكفل بتحييد الكمائن المنصوبة على طول الطريق غير أن رجال المقاومة اشتبكوا مع قوة المشاة تلك بمواجهة مباشرة وأوقعوا فيها خسائر قدرت بحوالى 13 جنديا بين قتيل وجريح مما اضطر القوة المدرعة للتقدم لتغطية سحب جثث جنوده القتلى والجنود الجرحى من أرض الميدان، كان الهدف من هذا الإبرار الجوي هو تشكيل نقطة سيطرة لقواته تتكفل بحماية أجناب القوة المدرعة المتقدمة في اتجاه وادي الحجير لتلتف عبر بلدتي القنطرة والغندورية عبر محور مؤمن ومسيطر عليه بشكل تام، غير أن حسابات البيدر الاسرائيلي لم تكن كما خططوا، حيث ان رجال المقاومة كانوا قد نصبوا الكمائن في انتظار تقدم رتل الدبابات إلى داخل الوادي ليسهل اقتناصها في نقطة القتل حين تدخل إلى منطقة العبور الوحيد الضيقة التي تحرمها من ميزة الإلتفاف والمناورة، وهكذا أثناء تقدم الدبابات باتجاه بلدة الغندورية، باغتت صواريخ المقاومة الرتل بالصواريخ لتدمر 9 دبابات وبدخول بقية القوة إلى الوادي بدأ الإستهداف المباشر للرتل بالصواريخ الموجهة من كل الجوانب والنواحي ليتم تدمير 39 دبابة وآلية في وقت قصير وغير متوقع من قبل الجيش الاسرائيلي في كل حساباته.


دخل الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة الممتدة على مساحة كيلومترين على مدخل الوادي، وكان المقاومون يحاصرونهم من كل الجهات. ومع اكتمال ضرورات الكمين، انهالت النيران المقاومة على القوة الغازية من كل الجهات حيث قامت بداية بالصواريخ وبتكتيك عسكري باستهداف الجرافات العسكرية ودمرت 12 جرافة حربية وهي تسير عادة على رأس الرتل، وتتبع سلاح الهندسة، وتقوم بإنشاء سواتر ترابية تحمي الدبابات والجنود بالإضافة إلى جرفها كل ما يعيق تقدم الرتل وكل ما يشتبه بتشكيله خطراً على الجنود والاليات، ومع تدمير الجرافات، نجح المقاومون في منع الجنود الإسرائيليين من حماية دباباتهم وجنودهم بالسواتر، وأضحت المدرعات مكشوفة وبلا أي غطاء ناري.


وهكذا من بين 90 دبابة دخلت في اتجاه نهر الليطاني وصلت إلى بلدة الغندورية فصيلة مدرعة من 4 دبابات بينما تركت البقية ما بين دبابات محترقة ومدمرة كليا أو معطلة بشكل كلي ما استلزم ضرورة سحبها إلى الخلف، حيث أن رتل دبابات ميركافا الذي دفع لاجتياز وادي الحجير قد وقع في منطقة شديدة الانحدار حولته لهدف ثابت لنيران رجال حزب الله.


وبعد انجلاء غبار المعركة وقتل وتدمير الدبابات الغازية التي حاولت اقتحام الوادي، وبعد شروع سريان وقف إطلاق النار، بدأت التحاليل العسكرية الميدانية في القيادة الاسرائيلية تدرس ما الذي حصل وبدهشة كبيرة حيث أكد أحد المحللين العسكريين أن هذه المعركة هي إحدى أهم المواجهات التي قام بها الجيش الصهيوني خلال العشرين عاما الأخيرة والعشرين عاما المقبلة حيث أطلق عليها اسم "الحرب الكبرى داخل الحرب الكبرى"، أما أحد جنود طواقم الدبابات الذي شارك في المعركة فقد وصفها بقوله: "جهنم، إنه لجحيم بحد ذاته ولا شيء آخر، أنا لم أصدق أنني سأخرج من هناك، كنت أرى الموت أمامي وأحسست اني تصافحت معه، فطوال الوقت كان هناك إطلاق نار واطلاق صواريخ مضادة للدبابات، كانت هذه نار الجحيم ولا تعرف متى ستطالك وفي سرك تصلي لأن تنتهي الهجمة لتسمع بالجهاز اللاسلكي أن الآليات لم تصب وأن أفرادها بخير ولكن هذا لم يحدث".


وأضاف: "ينبغي التحقيق فيما شهدناه في وادي السلوقي فبعد أن خلنا أننا نوشك على العودة مبتهلين ومتبسمين ورافعين الرايات عدنا بدون زملائنا"، وقد علق جندي آخر بقوله: "إذا كان لدينا شيء لنتعلمه من الجانب الآخر فهو الصبر الذي لديهم"۔ وذكر آخر " حسبنا أننا داخلون لمنطقة نظيفة وإذا بالنيران تصوب علينا من مخابئ ومنازل، عندما أصيبت الدبابة الأولى فهمنا أن الكابوس قد بدأ، أعرف أن الصاروخ الأول ليس الأكثر خطرا إنما الرشقة التي تليه، كان هذا مرعبا فأنت تفكر فورا أين يمكنك الاختباء وتكاد تموت خوفا من المجهول"۔



من الجدير ذكره ان حجم القوات الإسرائيلية التي شاركت في هذه المعركة هي فرقة مؤللة من اللواء المدرع الثاني 401 ولواء المشاة الخاص «ناحال» ولواء المشاة الأول، بالإضافة إلى كتيبة «غولاني» وكتيبة المظليين وكتيبة أخرى من «جفعاتي» وكتيبة هندسة وكتيبة استخبارات وكلها كانت في هذا الموقع من القطاع الأوسط وقد قاتلت في مركبا وحولا وبليدا ومحيبيب وميس الجبل مروراً بعديسة ورب تلاتين والطيبة فالقنطرة وصولاً إلى وادي الحجير، و تعرف هذه المجموعة بـ"الفرقة 162 الفولاذية"۔


وأخيرا، لقد سطر أبطال المقاومة وشهداؤها اروع الاسطورات التي ستروى الى أجيال وأجيال وتدرّس في كبرى المعاهد العسكرية الاميركية والاوروبية وحتى الاسرائيلية، كيف صمد رجال تحت وابل القصف الجوي والبحري والبري وأمام أكبر قوة عسكرية من مشاة واهم كتيبة عند الجيش الاسرائيلي التي يتباهى بها وهي كتيبة غولاني۔


لقد أثبتوا فعلا أنهم "رجال الله" الذين عاهدوه على المضي قدما والشهادة من أجل الارض والعرض والوطن وقدموا أمثولة عظيمة لكل شعوب العالم والشعوب العربية خاصة، انه عندما توجد الارادة والعزيمة والايمان، لن تستطيع أعتى جيوش العالم أن تقف في وجهه وتقهرهم۔



وفي عزّ حرب تموز واشتداد المعارك قرأ شاعر كبير ما في خلجانه وما شاهده وعرفه عن رجال رفعوا رأس الامة العربية والاسلامية وأسلموا جماجمهم الى الله، وهو الشاعر السوري عمر الفرا، رحمه الله، حيث قال في قصيدة لرجال الله ايام حرب تموز، هذا بعضها:

"كذا فعلت رجال الله يوم الفتح في لبنان..‏ ...

جنوبي الهوى قلبي - وما أحلاه أن يغدو هوى قلبي جنوبيا- هنا حطت رحاؤلنا..

تعال اخلع.. وقد أرجوك أن تركع

تعال اخلع نعالك.. إننا نمشي على أرضٍ مقدسة فلو أستطيع ... أعبرها على رمشي...

هنا سُلبوا، هنا صلبوا، هنا رقدوا، هنا سجدوا، هنا قُصفوا، هنا وقفوا، هنا رغبوا، هنا ركبوا براق الله وانسكبوا بشلال من الشهداء‏...


قبل رحيلهم كتبوا كتابات بلا عنوان.. ستقرأ في مدارسنا.. رجال الله يوم الفتح في لبنان‏...



خليل جابر